رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ضبابية مستقبل سوق الصكوك

[email protected]

أوردت خدمة معلومات بلومبيرج الأربعاء الماضي 3/9/2008 تقريراً يتناول الصكوك الإسلامية والظروف الصعبة التي تمر بها هذا العام. فتبعاً للتقرير، ونقلاً عن بيانات مصرف إتش إس بي سي HSBC، فإن حجم مبيعات الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية تراجعت خلال العام الحالي 2008 بنحو 50 في المائة بينما تراجعت أسعارها بنحو 1.51 في المائة في المتوسط. ويشير التقرير إلى أن السبب الرئيس لتراجع الإقبال على الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية هو قيام هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومقرها البحرين بسحب الغطاء الشرعي عن 85 في المائة من الصكوك المتداولة حالياً بسبب مخالفة الجهات المصدرة للصكوك الشروط الشرعية التي تراها الهيئة والقاضية بتحويل ملكية الأصول المرهونة إلى مستثمري الصكوك خلال فترة تداولها حتى موعد الاستحقاق. وبدأت سوق الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية في النمو عموماً عام 2002 بشكل حذر مالبث أن تحول إلى إقبال كبير أدى إلى تضاعف حجم سوق الصكوك سنوياً منذ عام 2004 حتى بداية التراجع في العام الحالي بعد أن بلغت هذه السوق ذروتها بنحو 38.6 مليار دولار في العام الماضي.. فماذا حدث؟
بداية، تنظر الأسواق العالمية إلى الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية كأداة مالية تتبع أدوات الدخل الثابت ولكن تحكمها شروط وأساليب توثيق تضمن تفادي الربا أو تمويل مشاريع واستثمارات مخالفة لتعاليم الشريعة الإسلامية. ولكون الصكوك الإسلامية أدوات استثمارية وتمويلية كغيرها من المنتجات المالية، فإن نموها وحجمها السوقي يتأثر في نهاية المطاف بتفاعلات قوى العرض والطلب التي تحدد حجم النمو وسعر الأداة المالية والعائد عليها. وشهدت سوق الصكوك الإسلامية مع بداياتها مرورها بأزهى فتراتها في الأعوام الستة الماضية إلى أن ظهرت مؤشرات التراجع في الأشهر الماضية من العام الحالي لتدل على تباطؤ معدلات النمو الذي لم تتضح تأثيراته في الجانب الحقيقي من الاقتصاد بعد. فهل هذا التراجع هو انفجار فقاعة أصول مالية تكونت خلال الأعوام الماضية في سوق الصكوك، أم هل هي ردة فعل تجاه الشكوك الدائرة حول شرعيتها وحقيقة توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية؟ أم هل هناك أسباب أخرى تقدم تفسيراً منطقياً لما يحدث في سوق الصكوك؟

بداية، ترتبط الأسباب المحركة لسوق الصكوك من منظور كلي بعدة محددات تتعلق بحجم الطلب وجغرافية السيولة في الاقتصاد العالمي. لذلك، لم تكن مصادفة قط أن تشهد سوق الصكوك المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية عصرها الذهبي في فترة ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية, التي بدأت في النصف الثاني من عام 2003, وكانت الدول المصدرة للنفط عموماً و دول الخليج خصوصاً من أكثر الدول المستفيدة من العوائد النفطية التي حسنت من وضع موازينها العامة وحجم أصولها الأجنبية ومستويات تصنيفها الائتماني.
وكخطوة طبيعية للاستفادة من العوائد النفطية المتراكمة، اتجهت دول الخليج إلى رفع مستويات الإنفاق والاستثمار الحكومي الذي استفادت منه منشآت أعمال القطاع الخاص والمؤسسات شبه الحكومية وشركات الاستثمار المملوكة للحكومة أيضاً. وتزامن ارتفاع مستويات السيولة في أيدي المستثمرين مع حاجة الشركات الاستثمارية التابعة للقطاعين العام والخاص العاملة في مشاريع البنية التحتية والمشاريع العقارية كالحال في المملكة والإمارات وقطر إلى مصادر تمويل للقيام بالمشاريع التنموية. وهناك عدة مصادر تمويل بإمكان المستثمرين اللجوء إليها لتمويل عملياتهم منها القروض البنكية، التمويل بالملكية عن طريق طرح أسهم ملكية للاستثمار الخاص أو العام، إصدار سندات الشركات أو رديفتها الصكوك المفترض توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية، وغيرها من طرق التمويل. ومن ضمن مصادر التمويل السابقة، شهدت سوق الصكوك النمو الأكبر كنسبة نمو سنوية لعدة أسباب. السبب الأول جاذبية الصكوك لتميزها بانخفاض التكلفة مقارنة بالقروض البنكية التي تتضمن أتعاب إدارة القرض وعلاوات مخاطرة مرتفعة مقارنة بطرق الإقراض الأخرى بجانب عدم ارتباط القروض البنكية بالأداء السوقي بل بأسعار الفائدة السائدة. السبب الثاني هو توافر السيولة بالدرجة الأولى في أيدي مستثمري دول الخليج المؤسساتيين والبيوت الاستثمارية وتفضيلها المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بناء على فلسفتها الاستثمارية وتفضيلاتها. والسبب الثالث الأكثر أهمية، هو أن عددا كبيرا من هذه المشاريع الطموحة سينتهي به المطاف إلى أن يكون معروضاً كمنتج للمستثمر الفرد النهائي سواء كمكتتب في طرح أولي أو كزبون لعقار في مجمع سكني تم تشييده من شركات مملوكة للقطاعين العام والخاص. هذا المستثمر الفرد الذي يقع في طرف السلسلة هو من يحدد للمطور العقاري مثلاً جدوى الاستثمار والاقتراض ونوعيته، فالهدف هو كسب رضا المستهلك أو المستثمر الفرد النهائي, والذي تدل أبحاث السوق إلى ميله نحو المنتجات المالية والاستثمارية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية, كما أوضحت الاكتتابات الأولية في العامين الماضيين، حيث قام معظم إدارات الشركات بإعلان البراءة من القروض البنكية التجارية قبل الطرح الأولي لتسويق الطرح للجمهور.
وأخيراً، بناء على معطيات سوق الصكوك، فإن التراجع الحالي هو مزيج بين عدة عوامل. العامل الأول هو شكوك وتخوف حاملي السندات, خصوصاً المستثمرين الدوليين من مستقبل هذه الأدوات بعد أن رفعت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية غطاء الشرعية عنها. العامل الثاني، انتقال تبعات أزمة الانقباض الائتماني من المنتجات والأدوات المالية التقليدية إلى الصكوك. والعامل الثالث، تخوف مستثمري الصكوك من أن تكون الأصول الحقيقية التي تم إصدار الصكوك لتمويلها تعاني فقاعة قد تنفجر وتؤدي إلى انهيار قيم الصكوك لارتباط قيمة الصك بقيمة الأصل. وعلى الرغم من احتمال وجود عوامل أخرى أقل أهمية قد ثؤثر في سوق الصكوك بضبابيتها الحالية، إلا أن العوامل الثلاثة السابقة ومدى استدامة تأثيراتها واقتناع قوى السوق بها ستحدد دون ريب مصير سوق الصكوك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي