سعودة الهيئة العامة للاستثمار
لا شك أن الهيئة العامة للاستثمار هيئة سعودية تهدف إلى تعزيز الاستثمارات الأجنبية في المملكة، وهو مشروع جبار بكل المقاييس وطموح إلى درجة كبيرة جدا هدفت من خلاله المملكة إلى نقل التكنولوجيا وتطوير اقتصاد المعرفة. وهذا هو بيت القصيد، فالمملكة لا تعاني نقصا حادا في الأموال والسيولة الاستثمارية. والصناديق التي يحلو للبعض تسميتها بالسيادية خير شاهد على ذلك والمفاوضات على هذه الصناديق لا تحتاج إلى شرح الأسباب. لكن ينبغي أن تظل الأهداف واضحة وألا نضيع في خضم الإجراءات التفصيلية، حيث تتحول الإجراءات إلى هدف بعدما كانت وسيلة. نعم يعد مشروع 10X10 فخرا لنا ولكنه مشروع يجب أن يقرأ ويشجع في ظل هدف استراتيجي أكبر منه ويجب ألا يطغى الهدف التفصيلي على الهدف الرئيس. لأنه – وكما يبدو لي - أن الهيئة العامة للاستثمار قد اهتمت بالتفاصيل والأهداف الجزئية كثيرا وغابت عن حقائق العلاقة الاقتصادية والتكامل النظامي بينها وبين الوزارات والمصالح الحكومية الأخرى.
فبينما ترهق وزارة العمل نفسها في مشروع السعودة تمنح الهيئة العامة للاستثمار حقوقا كبيرة للاستقدام الأجنبي. وفي الوقت الذي كان يجب أن تسعى جميع الوزارات نحو هدف تعزيز السعودة ومفاهيمها – كونه هدفا وطنيا عاما - نلاحظ عدم وجود مثل هذا التناغم الضروري فيما بينها، وبهذا سنظل ندور في حلقة مفرغة. تقلص وزارة العمل فرص الاستقدام أمام المستثمر السعودي تحقيقا لهذا الهدف الوطني، ويسعى صندوق الموارد البشرية إلى تعزيزه من خلال عمليات إقراض مشروطة، وفي المقابل نجد الهيئة العامة للاستثمار الأجنبي تفتح الأبواب مشرعة للمستثمر الأجنبي لكي يستقدم من يريد في الوقت الذي كان يجب أن نضع نصب أعيننا أن على الاستثمار الأجنبي فتح مجالات وفرص وظيفية لأبنائنا الشباب كون ذلك هو الوسيلة الحقيقية لتطوير اقتصاد المعرفة. أتصور أنه كان يجب فرض السعودة على أي مستثمر أجنبي وإلا فنحن لسنا بحاجة إلى الأموال الحارة.
المشكلة أن هذا النقاش نظري بحت فمثل هذا القرار إن أصدرته الهيئة العامة للاستثمار سيعطل مشروعها عن التنافسية (10x 10) فمن المؤكد أن قرارا كهذا سيخل بشكل جوهري بقدرة المملكة على جذب الاستثمارات الأجنبية وبمركزها في التنافس على هذه الاستثمارات لأن رأس المال الأجنبي لا يحب الشروط المسبقة عادة. ولكن مرة أخرى يظهر السؤال هل الهدف من إنشاء الهيئة العامة للاستثمار الوصول إلى هذا المركز التنافسي أم جلب استثمارات أجنبية لخدمة مشاريع أمتنا وعليها أن تفي بشروطنا؟ هذه هي المعادلة التي يجب على الهيئة أن تحلها.
لكن المعادلة تصبح أكثر تعقيدا إذا أدخلنا وزارة التجارة ودورها في الترخيص بإنشاء الشركات. تخضع الشركات في نظر وزارة التجارة إلى نظام الشركات السعودي بتعديلاته الكثيرة. القضية هنا أن الترخيص للشركة الأجنبية والشريك الأجنبي للعمل يبدأ من الهيئة العامة للاستثمار. المستثمر الأجنبي ليس بحاجة إلى زيارة وزراه التجارة في هذه المرحلة، لكن إذا اختلف الشركاء بعد صدور الترخيص بالاستثمار فإن عليهم الرجوع إلى نظام الشركات السعودي للتحكيم والذي يخضع لتفسيرات وزارة التجارة وليس الهيئة العامة للاستثمار الأجنبي. والقضية الأكثر تعقيدا أن على هذه الشركات الأجنبية التي أصبحت تعمل في السوق السعودية وفقا لقواعد العمل في المملكة أن تخضع لإشراف وزارة التجارة وهنا يظهر التناقض. فعلى هذه الشركات أن تخضع لفرق متابعة متعددة من قبل وزارة التجارة ومن قبل الهيئة العامة للاستثمار الأجنبي، وعند التجديد بالترخيص تتداخل المسؤوليات بشكل واضح فهل هي مهمة وزارة التجارة كون التاجر الأجنبي يخضع لمراقبة وإشراف وزارة التجارة وتجديد الترخيص له سيكون وفقا لشروطها أم إنه لم يزل تحت إشراف الهيئة العامة للاستثمار كونها مصدرة الترخيص الأساسي. وبقولنا إن مرجعية المستثمر الأجنبي هي الهيئة العامة للاستثمار فكيف نحقق لوزارة التجارة دورها السيادي لكي تفرض التوجهات الصناعية والتجارية في المملكة وتفرض نصوص نظام الشركات. وإذا أطلقنا يد وزارة التجارة فهل سنعود للمربع الأول وهو أن مثل هذا الإجراء سيحد من جاذبية المملكة للاستثمار الأجنبي كون وزارة التجارة قد ترى عدم جدوى التوجه نحو مشروعات تجارية معينة، وذلك تعزيزا للتنافسية العادلة وتعزيزا للصناعة الوطنية وحمايتها.
وإذا كان التستر أكثر قضايا وزارة التجارة أهمية وأكثرها إرباكا فهل قدمت الهيئة العامة للاستثمار المخرج النظامي لهواة التستر للعمل تحت الأضواء؟ إن المحفز على طرح مثل هذا السؤال المهم هو أن الاستثمارات الأجنبية حتى الآن - إذا جاز لنا التعبير عنها كذلك – لم تتجاوز تحول مؤسسات من وضع تستر إلى الخروج علنا وبعد أن كان التهرب من الضريبة ومن وزارتي العمل والتجارة بالتستر أصبح نظام الهيئة العامة للاستثمار خير غطاء. فالحقيقة الماثلة أمامنا أن معظم الاستثمارات لم تتجاوز مطاعم ومؤسسات صغيرة لا تخدم التوجهات الاقتصادية الكبرى والحقيقية للمملكة وفي هذا قدم العديد من كتاب الاقتصادية مقالات أكثر صراحة وأكثر وضوحا. ومع ذلك يبقى السؤال هل الإجراءات التي تقوم بها الهيئة العامة للاستثمار هي لخدمة المصالح الوطنية الكبرى أم لخدمة مشروعها 10x10فقط؟