التكافل الاجتماعي .. ثقافة وإجراءات عملية (1 من 2)
عند متابعة أخبار الأوضاع الاجتماعية في المجتمعات العربية، والإسلامية يقرأ المرء الكثير، ويسمع أكثر من خلال وسائل الإعلام، أو في المجالس، فهذه أسرة ولي أمرها يحمل مؤهلاً عالياً، ويسكن مع أسرته في حديقة لعجزه عن استئجار منزل، وتلك أسرة لا تجد قوت يومها، وثالثة لا تتمكن من علاج مريضها، ورابعة تضطر لقطع دراسة أبنائها الصغار، والعمل في أعمال شاقة لا تناسب أعمارهم بهدف مساعدة الأسرة لجلب المستلزمات الضرورية للحياة، وعائلة أخرى مدينة أنهكتها الديون، ولم تعد قادرة على سدادها، وهي مهددة بالسجن إن لم تدفع، وسادسة مهددة بالطرد من المسكن الذي تقطنه لأنها لم تتمكن من دفع الإيجار، صورة محزنة من الأوضاع الاجتماعية تعني الفقر، وقلة ذات اليد للكثير من الأسر، وفي مجتمعات ثرية لكنها لم تتمكن لسبب، أو لآخر من الاستفادة من الطفرة المالية التي تزخر بها البلاد. إيران دولة البترول والغاز، ذكرت الأخبار أنها تضم 14 مليونا يعيشون تحت خط الفقر، وغير إيران، أين ما وجه المرء وجهه يجد الصورة متكررة في معظم، إن لم يكن كل أنحاء العالم العربي، والإسلامي. يتساءل المرء عن الأسباب، ويحتار في تحديدها هل هي لغياب الثقافة الاجتماعية التي تشجع على العمل الخيري، وتؤطر له، أم لقلة التعليم، أم لنقص الموارد؟ إذا علمنا أن دولاً غنية يوجد فيها فقراء، وفي حالة مزرية, فما السبب؟ وكيف يمكن مساعدة الفقراء، والمعوزين على تجاوز واقعهم الاقتصادي السيئ؟ أعتقد أن المدخل المناسب لمعالجة الفقر هو من خلال الثقافة الاجتماعية الواعية التي تبث، وترسخ وتجعل الفرد يحس بأخيه الإنسان، ويشعر بمشاعره، ويواسيه، ويقف بجانبه في مثل هذه الأوضاع. لو تأملنا في مرجعيتنا الإسلامية نجد أنها تمثل إطاراً ثقافياً رائداً تشكل الأساس للتكافل الاجتماعي المتميز، حيث حث القرآن، والسنة النبوية المطهرة على فعل الخير، والإنفاق، والتقرب إلى الله من خلال الصدقات، والزكاة، وكافة أعمال البر .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
ويقول تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل ..)
أما الأيتام، وضرورة العناية بهم، وأهمية أن يأخذهم المجتمع بكامله بالاهتمام والرعاية، فيؤكد عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين). إذاً لو تأمل المرء النصوص السابقة، وهي قليل من كثير يجد أنها تمثل أساساً لثقافة فردية واجتماعية تعنى بتشكيل مشاعر، وأحاسيس، وعواطف الإنسان لا ليعيش وحده في بحبوحة، ورفاه بل ليعيش مع الآخرين، ويحس بوضعهم هذا على المستوى الفردي، أما على المستوى الرسمي فسير الخلفاء، والولاة المسلمين تدل على العناية بموضوع محاربة الفقر، ومساعدة الفقراء، ومواساتهم، والوقوف معهم حتى وإن كانوا من غير المسلمين، وهذا لا يمكن أن يحدث لولا الثقافة التي ينتمي إليها الخليفة، أو الوالي، ويؤمن بها، ويأخذ بها، ويجعلها تسيره في إدارة شؤون الدولة الإسلامية، حتى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف الفقر بالكفر، وقال لو أن الفقر رجلاً لقتلته، وذلك لشدة وطأته، وصعوبته على النفس، كما أنه، أي عمر، خصص أموالاً من بيت مال المسلمين للأعمى اليهودي, ما يجسد ثقافة محاربة الفقر التي أصلها الإسلام، وجعلها أساساً للمسلمين في تعاملهم مع بعضهم بعضا، أو مع غيرهم ممن يعيش معهم من غير المسلمين، ولعناية الإسلام بهذا الشأن نجده يهتم حتى بالتفاصيل الدقيقة كمواسم الأعياد، ولذلك نجد التأكيد على دفع زكاة الفطر قبل العيد بهدف سد حاجتهم في ذلك اليوم (أغنوهم في ذلك اليوم). إن الفقر مزعج، ومؤلم لصاحبه، ويحدث الكثير من المشكلات الاجتماعية، لذا عنيت المجتمعات الإنسانية بالاهتمام بهذا الأمر، وعملت على سد الثغرات، والفجوات التي يحدثها الفقر في المجتمع، ولتفادي المشكلات المترتبة عليه من سرقة، وتشرد، وجريمة، لذا عمل الكثير من المجتمعات على تشكيل ثقافة مجتمعية لمحاربة الفقر من خلال الاستناد إلى أسس من دياناتها، أو من خلال الأفلام، والقصص، ومن خلال المناهج الدراسية، وذلك لبث روح الإخاء، والتآزر بين أفراد المجتمع الواحد، لكن تلك المجتمعات لم تقتصر في محاربة الفقر على بث الثقافة، وتشكيلها من خلال القنوات السابق الإشارة إليها، بل أوجدت الأنظمة والتشريعات التي تضمن حداً أدنى من الأجر مقابل العمل، وذلك تفادياً لدخول شريحة كبيرة من أفراد المجتمع إلى فئة الفقراء، والمعوزين. إن إيجاد ثقافة واعية تحرك المشاعر لدى الأغنياء والموسرين تجاه إخوانهم الفقراء أمر أساسي ومهم لأي مجتمع يسعى للتماسك والترابط، لكن الأنسب هو إيجاد الآليات والإجراءات المناسبة التي توصل المال لأهله الذين يستحقونه حتى لا يعيشون خارج إطار المجتمع وعلى هامشه، ما يولد لديهم المشاعر العدائية نحو مجتمعهم، والعلل، والأمراض النفسية، والاجتماعية. إن قدرة المجتمع على الانتقال من مستوى الثقافة العامة التي تتكرر على الناس صباح مساء - وهذا أمر حسن ومطلوب - إلى أفعال وإجراءات تجاه الفقراء هو الأهم (ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق) إن ثقافة التكافل الاجتماعي لا تقتصر على الفقراء والأيتام، بل تتعدى إلى المعوقين والأرامل والعاجزين.
إن ثقافة البذل والعطاء الموسمية التي توجد في العالم الإسلامي، خاصة عند حلول رمضان المبارك جميلة، لكنها لا تحل مشكلة الفقر لأن رمضان لا يمثل إلا شهراً واحداً من السنة، كما أن ما يبذل في رمضان لا يسد الحاجة في مجالات عدة تتعدى الغذاء، والكساء إلى السكن، والعناية بالصحة، التي كثيراً ما نغفلها، إن الاجتهادات الفردية في محاربة الفقر جيدة، لكن الأجود أن يتحول هذا الأمر إلى إجراءات رسمية، ومؤسساتية تعنى بكافة المجتمع، وطوال العام بدلاً من انتظار الفقراء حلول شهر رمضان كي يشعروا بتعاطف الآخرين معهم. في المجتمعات الإسلامية تعمل المساجد، وخطباء الجمعة، والإذاعات، ووسائل الإعلام المختلفة، وحلقات الذكر، إضافة إلى الكتيبات، ومنشورات التوعية على ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي وبث الثقافة في هذا الشأن، لكن الآليات المنظمة والإجراءات الدقيقة قد لا تكون متوافرة رغم الاجتهادات المبذولة، وفي المقال القادم سنتناول هذا الأمر، إن شاء الله.