التنمية الوطنية.. احترام القانون أولا
التنمية ليست مباني فارهة، ولا طرقات وشوارع مرصوفة، ولا مطارات ضخمة ولا موانئ كبيرة، ولا كل سبل العيش المرفه، فهذه جميعها مظاهر شكلية وحسب! كثير من المجتمعات النامية تنخدع بهذه الظواهر البراقة ظنا أنها التنمية! فتذهب تحث الخطى نحو البناء والتعمير دون أن يكون للثقافة والبحث والتطوير حظ وافر لتعيش عالة على فتات حضارة الآخرين وتتطفل على سبقهم الصناعي والتقني. ولأن التغيير المادي أوضح وأسرع وأسهل بكثير من التغيير الثقافي تندفع الدول النامية رغبة في مسابقة الزمن واللحاق بركب الدول المتقدمة بالاهتمام بتنفيذ مشاريع مادية بوتيرة تفوق معدل التطوير الثقافي بل في بعض الأحيان على حسابه. ولا غرو في ظل هذا التسابق المحموم للمجتمعات النامية نحو التقدم المادي أن يتحقق الكثير من الإنجازات والمشاريع يكاد بعضها يضاهي مثيلاتها في الدول المتقدمة، إلا أن ذلك لا يقابله تطور ثقافي على ذات المستوى ولا سلوكيات حضارية تتناسب معه، بل سلوكيات وتصرفات تصل حد إساءة الاستخدام وعدم إدراك للمقاصد الجوهرية والمعاني الحقيقية لهذه المخترعات والتقنيات الجديدة. لا يقف الأمر عند هذا الحد! بل يلاحظ في ظل التهافت على السبق المادي افتقاد عدالة التوزيع وتفاوت كبير في التنمية بين المناطق داخل المدن وبين الأقاليم بحيث تحقق مناطق مستويات عالية من الكمالية المادية وفي ذات الوقت يكون هناك مناطق متأخرة جدا تعاني تردي المستوى المعيشي والفاقة وسوء الخدمات وكأنها لا تمت بصلة لتلك المناطق الأكثر حظا لا من قريب ولا من بعيد. السبب الجوهري وراء ذلك هو في القفز على مراحل التطور التدريجي وعدم استيعاب المستجدات والتطورات استيعابا كاملا بكل أبعادها المادية والثقافية وصعوبة نشر التقدم المادي أفقيا بين جميع المناطق سواء داخل المدن أو على المستوى الوطني وهكذا يتم التركيز على استقطاب التقنية والتقدم المادي وتركيزها في مكان واستئثار مناطق دون أخرى بها.
إن معضلة البلدان النامية تتمثل في عيش وهم التنمية السريعة وأن هناك طريقا قصيرا لبلوغ التقدم إلا أنها لا تلبث أن تستكشف ولو بعد حين أن ذلك مجرد خيالات وعواطف جياشة لا يمكن تحقيقها لأن طريق التقدم طريق طويل وشاق ومليء بالتحديات ولو كان بالسهولة التي تتخيلها تلك الشعوب لأصبح العالم كله على مستوى واحد من التقدم ينعم بالرفاهية والحضارة. إن هناك إجراء طويلا وأسبابا وسننا يلزم الأخذ بها للوصول إلى التقدم المنشود. قد يكون من أهمها فلسفة اجتماعية سياسية اقتصادية تقوم على أن هناك علاقة بين المدخلات والمخرجات وأن المهمة الرئيسة ترتكز على صياغة نظم تقنن تلك العلاقة التي تؤدي إلى نتائج مطلوبة ومرغوبة. هذا يعني أن من أجل الانتقال من وضع إلى آخر أفضل منه يتحتم أولا الرغبة في الانتقال والتطلع إلى إيجاد ظروف أفضل واستكشاف القدرات والإمكانات ومن ثم التعرف على حجم الهوة بين الوضع القائم والوضع المرغوب. ولان المسألة تتعلق بالمجتمع بأكمله يتطلب نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي يهيئ الفرصة لاستشفاف هذه الرغبة ومن ثم العمل على تحقيقها. التقدم حالة اجتماعية وثقافة سائدة ومنظومة متكاملة تقود إلى قناعة وانسجام وانتظام المجتمع في رؤية مشتركة وتحت قانون ونظام يطبق رغبة لا رهبة وتفضيلا لا إجبارا لأنه قانون من الجميع ومن أجلهم عبر مجالس نيابية منتخبة ومن يخالفه يكون شاذا نشازا يعرقل العمل الجماعي ويعطل المصلحة العامة ويكون وبالا مستطيرا على المجتمع، وبالتالي يجب أن يؤخذ على يده دون هوادة بل عقاب يتساوى مع جرمه في حق المجتمع وتعطيل مشروعة التنموي واختراق الصفوف وبعثرة الجهد فالهدم كما يقول ابن خلدون في مقدمته أسهل من البناء لأن البناء إيجاد من العدم بينما الهدم هو العودة إلى الأصل وهو العدم وهذا مصداقا لقوله تعالى " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"، فالموت الذي هو العدم خلقه الله قبل الحياة أي اللا شيء قبل الشيء. إن مسألة التقدم مسألة بناء متكاملة فلا يصح الأخذ بالجانب المادي وإغفال الجانب السلوكي الحضاري وإلا يكون تقدما مشوها معوقا قد يتحول إلى مسخ يؤذي أكثر مما ينفع. وهنا لا بد من التفريق بين مفهومي النمو والتطور وهو أمر في غاية الأهمية لأن هناك خلطا بينهما أدى إلى التركيز على الجانب المادي على حساب الجانب السلوكي الحضاري. كلا المفهومين يتعلقان بعملية التغيير إلا أن النمو يعني التغيير الكمي أي الزيادة العددية من نفس النوع بينما التطور التغيير النوعي والترقي. على سبيل المثال عندما يكبر حجم الإنسان وتطول أطرافه مع مراحل العمر الأولى نصف ذلك بالنمو، وعندما يبذل الإنسان جهدا بنفسه أو بمساعدة الآخرين على تعلم قدرات ذهنية واكتساب مهارات سلوكية وإمكاناته النفسية يكون ذلك تطويرا وتنمية ينتقل فيها الإنسان من مرحلة أدنى إلى مرحلة أكثر تطورا وفهما لنفسه ولما يدور من حوله وبالتالي أكثر تحكما وإدارة لحياته. والمجتمعات تشبه إلى حد كبير الإنسان في عملية النمو والتطور. فالمجتمعات التي تسعى للنمو فقط تجدها قد انتفخت بالمباني والمصانع وكأنها أحد الرياضيين الذين يتعاطون الهرمونات المحرمة للحصول على عضلات كبيرة دون قوة ، بينما نجد مجتمعات أخرى عكفت على تثقيف نفسها عبر البحث العلمي والتنظيم الإداري الكفء والتنمية الاقتصادية المدروسة وخطط استراتيجية وقوانين عامة متفق عليها تطبق بحزم وصرامة لا هوادة فيها.
لقد أضحى واضحا جليا أن الطريق الوحيد للتحضر والرقي هو في احترام القانون واقتناع الناس في انتظار دورهم والوقوف بالصف. التنمية هي نظام اجتماعي إما أن يكون عشوائيا غير منتظم وغير مستقر وبالتالي يتطلب الكثير من سلطة الإجبار والإكراه لانقياد الناس والسيطرة عليهم! وإما أن يكون النظام الاجتماعي سلسا واضحا ومقنعا مترابطا يقود إلى التنمية الاجتماعية والاستقرار والسلم الاجتماعي. في هذا النوع من الأنظمة يتم تطبيق القانون بقناعة تامة من داخل ذوات الأفراد دون رقيب أو حسيب يدفعهم لتطبيقه. فالنظام جزء لا يتجزأ من منظومة القيم الشخصية للأفراد لينصهر الجميع في بوتقة واحدة ويصبح الكل للنظام والنظام للكل. الأهداف والإجراءات والنتائج واضحة ومعروفة سلفا ليس هناك ما يترك للحظ أو المفاجآت والسعي دائم وحثيث للتعرف على المستقبل وما يكتنفه من غموض. قوة النظام الاجتماعي في إمكانيته تحقيق المصالح الفردية عبر المصلحة الجماعية ومتى ما كان هناك تناغم بين مصلحة الأفراد ومصلحة المجتمع كان ذلك ادعى إلى اتباع القانون وتطبيقه. الإشكالية في الدول النامية أن العلاقة بين المصلحة الفردية والمصلحة المجتمعية غير مدركة لأنها غير واضحة بل هناك اعتقاد أن الوضع لا يحتمل الجمع بين الاثنين وأن أحدهما يكون على حساب الآخر. هذه هي معضلة التنمية الحقيقية لأنها تشتت الجهود وتدفع نحو العمل الفردي الاجتهادي دون إطار جماعي ينسق الجهود ويحقق التكامل وينتج الطاقة المجتمعية التي لا تتأتى إلا بتضافر الجهود. هذا هو الفرق الحقيقي بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية ليست الفروقات الفردية ولكن القدرات المؤسسية والعمل الجماعي واحترام القانون. وطالما نصر على عشق الفوضى والبحث عن الطرق القصيرة على حساب القانون العام والتمسك بالقشور واللمعان الظاهري والرفاهية الكاذبة سنظل نقبع في قاع الترتيب العالمي نستجدي التقنية ونكون أسرى الاعتماد على الآخرين. ويبقى السؤال الأهم لماذا لا نحب أن نقف في الصف عنوان التقدم وجوهر التحضر وسر التنمية الحقيقية ومفتاح التطور الاجتماعي؟! الجواب يعرفه الجميع لكن لا أحد يحب التخلي عن حال الركود والتراخي وأخذ الكثير ببذل أقل القليل! إنها العنجهية والكبرياء المزعوم والكرامة الزائفة التي تجعل الكثيرين يرفضون القانون ولا يطبقون النظام ويمقتون الانتظام والانتظار في الصف إلى أن يحين دورهم لأنه يمثل لعاشقي الفوضى كبتا للحرية المنفلتة واعتقاد أنهم فوق النظام وتحقيق مبدأ إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب وهواية لعبة " الربح في خسارة الآخرين"! الغريب في الأمر أن هؤلاء الفوضويين يتخلون عن فوضويتهم ويصبحون في أوج الانتظام والوقوف في الصف عندما يسافرون للخارج حتى وإن كان البلد بلدا خليجيا مثل دبي وحتى وإن كان الصف طويلا من أجل ركوب سيارة أجرة!