كارثة إدارة المياه في منطقة عسير

د[email protected]

إنه لمن الخطأ أن نسمي ما يحدث اليوم في منطقة عسير بأزمة مياه بل هي أكثر, فهناك اليوم ما يقرب من 50 ألف نسمة في مدينة أبها لم يحصلوا على حصة من الماء لمدة تزيد على سبعة أيام. وإذا أضفنا إلى ذلك قرى مدينة أبها وكذلك مدينتي الخميس وأحد رفيدة وما يلحق بهما من قرى ومحافظات فإن العدد سيتجاوز 100 ألف. إن مجرد نظرة على قوائم الانتظار في مدنية أبها فقط ستراها وقد تجاوزت 12 ألف خزان ماء (وبعضها لا تزيد سعته على خمسة أطنان فقط ولم توفر له!) وإذا كان كل خزان ماء سيخدم أسرة مكونة من أربعة أفراد في المتوسط فإن ذلك سيقودنا إلى أن إحصاء أكثر من 48 ألف نسمة بانتظار الماء في مدينة أبها وحدها.
كارثة المياه ليست في قوائم الانتظار فتلك الأزمة وأعراضها، لكن من عاش في أبها منذ كانت تعتمد على مياه سد أبها وما كان يحصل من أزمات بسبب النقص الطبيعي في مياه السد لاعتماده على الأمطار الموسمية، ومع انطلاق مشروع محطة تحلية المياه بالشقيق يعرف حتما حجم الآمال التي بناها أبناء المنطقة على ذلك المشروع. فلقد تعلقت آمالهم بطول سنوات انتظار المشروع وبكل أنبوب ماء تم دفنه في رمال وجبال تهامة، وبكل لحظات الصبر على أعمال شق الطرق وحفر الأنفاق داخل المدن لربط المنازل بشبكة التحلية، مع كل لحظات الترقب بتركيب عدادات المياه ولحظات الفرح الغامرة مع الشكر لله ثم لحكومة خادم الحرمين الشريفين عند أول قطرات من الماء تصب في منازلنا. من عاش تلك الرحلة بطولها يشعر اليوم بخيبة الأمل عندما يذهب كل ذلك الإنجاز أدراج الرياح بسبب عدم كفاءة إدارة المياه ومحطات التحلية.
كيف تحولت التنمية وأحلامها وشهودها إلى سراب ومن يقف خلف كل الأخطاء الإدارية التي ارتكبتها الجهات المسؤولة عن إدارة المياه في المنطقة ومن يحاسبهم. فمن المعلوم فنيا واقتصاديا ومحاسبيا أن لكل آله عمر إنتاجي وعمر اقتصادي ويجب توزيع قيمتها سنويا بقدر ما يستنفد من عمرها الاقتصادي. واقتصاديا يجب أن تحصل الآلة على نصيبها من العوائد بما يكفل بقاءها في حالة إنتاجية ممتازة – الصيانة - وبما يكفل المحافظة على قيمتها الاقتصادية – وهو الاستهلاك. ومحاسبيا وعلى الرغم من عدم وجود طريقة دقيقة جدا لعملية التخصيص هذه إلا أنها واجب لا مناص منه وفي ذلك معايير متعارف عليها لا يجهلها إلا متطفل على الإدارة وفنونها. في القطاع الخاص وفي الشركات العامة يجب الاعتراف بقيمة الاستهلاك وتخصيص مبالغ من الدخل لمواجهة التناقص في القيمة الاقتصادية للأصل مما يتيح للشركة موارد كافية عندما يتم استنفاد المنافع اقتصاديا وتقرر الإدارة استبداله. في القطاع الحكومي قد يختلف الأمر – محاسبيا وإن لم يختلف اقتصاديا - حيث لا يوجد مخصصات لاستهلاك الأصول والآلات، ذلك لأن الدولة بما لها من موارد سيادة قادرة على استبدال الأصول حالما تستنفد قيمتها الاقتصادية دون الحاجة إلى مخصصات سنوية. لكن ولمعرفة الوقت الذي يتم فيه استهلاك الآلات واستنفاد قيمتها يجب على الإدارة المختصة التي تمتلك المنافع أن تقوم بالاحتفاظ بسجلات توضح الاهلاكات السنوية ومتى يجب على الإدارة أن تطلب آلات جديدة. وإذا كان استنفاد خدمات الآلات والأصول المنتجة هو استنفاد لرأسمال المشروع ومع عدم وجود مخصصات كافية لاستبدال الأصول (المحافظة على رأس المال) فإن إعلان إفلاس المشروع حتمي. وبمعنى آخر فإن عدم المحافظة على الأصول بمخصصات الإهلاك يعني إتلاف رأس المال ومن يهمل في هذه القواعد الأساسية يجهل تماما عملية إدارة الأصول ومراقبتها.
والسؤال الآن، إذا كانت الآلات في مشروع تحلية المياه بعسير قد استهلكت تماما ومنذ مدة وفقا لما صرحت به مديرية المياه في عسير فكيف بقيت في الخدمة حتى حدثت هذه الكارثة؟ كيف لم يتم مواجهة هذه القضية من خلال تطبيق مفاهيم الإهلاك ولو كإحصاءات. أتذكر قبل عدة سنوات عندما قال خادم الحرمين الشريفين كلمته المشهورة "لم يعد لديكم عذر نفذوا مشاريعنا". فأين نجد العذر إذا كانت كل السجلات تشير إلى انتهاء العمر الاقتصادي لهذه الآلات منذ مدة ومع ذلك لم تنفذ مشاريع استبدالها. ثم كيف غابت الوزارة عن هذا الإهمال وكيف غابت الرقابة والتحقيق وديوان المراقبة العامة.
من المعلوم أن مديرية المياه في عسير توقف الضخ للمنازل في فترة الشتاء من كل عام بحجة الصيانة وإذا كانت هذه عادة سنوية بمتوسط ثلاثة أشهر كل سنة، فسوف نجد أن فترات التوقف في عمر المشروع حتى الآن بسبب صيانة الشتاء السنوية فقط تجاوزت أربع سنوات، فأين نتائج كل تلك الصيانة المزعومة. وإذا كانت مديرية المياه تريد التملص من هذه المسؤولية كون هذه الآلات تحت إشراف مؤسسة التحلية فلماذا تصرح لنا المديرية وتتحدث باسم المشروع والمسؤول عنه؟ وإذا علمنا أن دخل شهر من ضخ المياه للصهاريج يعادل عشرة ملايين ريال وذلك في مدينة أبها فقط وبإضافة المدن الأخرى سنصل إلى أكثر من 50 مليون ريال ومع ذلك تعجز الإدارة والمؤسسة وهي ذات ميزانية مستقلة عن حل أزمة الغلايات وبدلا من ذلك تنكر الإدارة وجود الأزمة وإن من يتحدث عنها هو من عديمي الضمير وأننا مسرفون نغسل سياراتنا بالماء (أعطونا ماء نشربه ثم حاسبونا إذا غسلنا السيارات).
لذلك وكنتيجة طبيعية للأزمة فإن وظيفة قارئ عدادات في مديرية المياه في عسير تعتبر وظيفة مريحة، فقراءة هذا الشهر لم تتغير منذ عدة أشهر فالعدادات لا تعمل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي