توافر عناصر الإنتاج والتوجه الحكومي المحرك الرئيس للتجمعات الصناعية

توافر عناصر الإنتاج والتوجه الحكومي المحرك الرئيس للتجمعات الصناعية

تنشأ التجمعات الصناعية في كثير من الدول وبشكل عام نتيجة لعدة عوامل مهمة من أهمها التوجه الحكومي والذي يهدف إلى تنمية وتطوير تجمع صناعي محدد، وهذا التوجه الحكومي، في الاختيار غالبا يكون ناشئا عن توافر الكثير من عناصر الإنتاج كالموارد الطبيعية، وبحسب دراسة قام بها معهد هارفارد للتنافسية عن أسباب نشوء مثل تلك التجمعات الصناعية فإن 26 في المائة من النشوء بسبب التوجه الحكومي، و40 في المائة بسبب توافر عناصر الإنتاج، ومن العوامل المؤثرة في نشوء التجمعات عوامل الطلب حيث تشكل نسبة 19 في المائة من أسباب النشوء لتلك التجمعات. في حين أن توافر المراكز البحثية وخلافه من المؤسسات المساعدة تشكل ما نسبته 15 في المائة من أسباب ذلك النشوء، ومثال ذلك الجهود البحثية المشتركة لجامعات كارولينا الشمالية في الستينيات والتي كانت السبب في وجود أحد أهم تجمعات صناعة التكنولوجيا الحيوية Biotechnology في أمريكا.

بيئة التجمع الصناعي "التنافسية"
يعتمد أداء التجمع الصناعي بشكل رئيس على مناخ الاستثمار المحيط به، فمتى ما كان هذا المناخ إيجابياً أمكن تنمية وتطوير التجمعات الصناعية فيه، فيما عدا ذلك فإن المحاولة محكوم عليها بالفشل. والمناخ الاستثماري يشمل كل شيء يمكن أن يؤثر في قطاع الأعمال من مستوى وجودة التعليم إلى نوعية الأنظمة والتشريعات وفاعلية تطبيقها، والبنية التحتية وسياسات المنافسين المحليين. وفي كتاب Competitive Advantages of Nations يؤكد الدكتور بورتر في نظريته حول التنافسية أن تنافسية الدول هي نتيجة لتنافسية الشركات العاملة فيها، وأن أكثر الشركات تنافسية هي تلك التي تعمل وتتكامل فيما بينها في صناعة محددة ضمن تجمع صناعي واحد، وخلص إلى أن هذا التجمع الصناعي والشركات لكي تصل إلى الهدف المنشود وهو التنافسية وتحقيق النمو، فإنها بحاجة إلى وجود مناخ استثمار مناسب، ويتشكّل المناخ الاستثماري المناسب حسب تقسيمه من ثلاثة مستويات لكل منها أثره وأهميته، وهذه المستويات هي كما ذكرنا المناخ العام للاستثمار ويقوم هذا المناخ على أربعة أسس هي )الموقع الجغرافي، والمؤسسات العامة والإطار القانوني والتنظيمي لها، ومستوى الحضارة والتقدم في الدولة، ومناخ الاقتصاد الكلي Macroeconomic). ومن خلاله يمكن النظر في إمكانية بناء تنافسية الدولة، فإذا ما وجدت الدولة التي تتمتع بموقع جغرافي مناسب لقيام صناعة والمتمثل في القرب من الموارد الطبيعية أو الأسواق أو الطرق التجارية، ويسود فيها مقدار مقبول من الأنظمة والتشريعات الحافزة والمطبقة بشفافية، في مجتمع متحضر وقابل للتطوير وتملك فيه الدولة المقومات الأساسية للتقدم، ويتمتع اقتصادها الكلي بالاستقرار فعندها نقول أن المناخ العام للاستثمار في هذه الدولة يساعد على تطوير وبناء التنافسية. أما المستوى الثاني من تلك المستويات فهو بيئة الاستثمار على المستوى الجزئي وإكمالا للمناخ الاستثماري العام فكلما تطور هذا المناخ للدولة كانت الفرصة مواتية لإيجاد بيئة تنافسية للاستثمار على المستوى الجزئي (الشركات). وتتأثر بيئة الاستثمار على المستوى الجزئي بأربعة عوامل هي (عوامل الإنتاج وعوامل الطلب وجودة محيط التنافس ووجود الصناعات المرتبطة والداعمة). وقد صاغ بورتر هذه العوامل في نموذج أطلق عليه نموذج الماسة Diamond الشكل، وتؤثر طريقة ومستوى تفاعل هذه العوامل مع بعضها البعض في مستوى جودة بيئة الاستثمار وتنافسية الشركات، كذلك مدى حيوية التوجه الصناعي فكلما كانت بيئة الاستثمار على المستوى الجزئي حيوية وفعالة زاد نشاط قطاع الأعمال وتوسع في إنشاء الشركات وكون التجمعات الصناعية. كما أن وجود عنقود صناعي نشط وقوي يشكل عامل جذب واستقطاب لمزيد من الشركات والاستثمارات، وكلما ارتفع مستوى حيوية التجمع ارتفع مستوى المنافسة بين شركاته وبالتالي تنافسيتها. نلاحظ أن هذه المستويات الثلاثة التي تطرقت لها نظرية التنافسية تركز على سياسات بيئة الاستثمار على المستوى الجزئي (الماسة) باعتبارها مفتاح رفع كفاءة وإنتاجية الاقتصاد، وتصب سياسات (الماسة) في شركة حفز التجمعات الصناعية، والتي تحتضن بدورها المحرك الرئيس للاقتصاد (الشركات) القادر على نقله لمرحلة النمو والتنافسية.

السياسات الاستراتيجية لتبني العناقيد
تتبنى الدول دوما تنمية التجمعات لعدة أهداف استراتيجية، الإطار العام لها هو رفع معدلات النمو الاقتصادية والاجتماعية الكلية، لكن تركيزها ينصب بشكل أساسي على عدد محدد من الأهداف كرفع القيمة المضافة وخفض معدلات البطالة والقضاء على الفقر وجذب الاستثمارات الأجنبية والتطوير التكنولوجي. وتعمل العناقيد الصناعية ضمن السياسات والاستراتيجيات العامة الدولية لتحقيق هذه الأهداف الرئيسة، وقد تستهدف الدولة من تنمية العنقود أكثر من هدف استراتيجي بالتالي فإن العنقود سيعمل ضمن إطار عدد من السياسات المختلفة، ومن هذه السياسات سياسات الوسيط Broker Policiesوتهدف لتنمية الروابط بين عناصر التجمع من خلال دور الجهات العامة في عقد الاجتماعات والتحالفات بين شركات وعناصر العنقود، ومن خلال تقوية دور الجهات العلمية وتبني الأبحاث والعمل على تطبيقها على أرض الواقع، ويهدف هذا النوع من السياسات لرفع القيمة المضافة. أيضا من تلك السياسات سياسات جانب الطلبDemand Side Policies وتهدف إلى زيادة الانفتاح على الأفكار والابتكارات الجديدة، من خلال تشجيع البحث العملي وتشجيع الابتكارات لإنتاج منتجات جديدة، وتشجيع تبني أفضل المعايير التقنية للمنتجات عالية التقنية، وذلك من أجل تنمية الطلب على المنتجات. وتقوم بتقديم الدعم المادي لابحاث ودراسات محددة لدى المؤسسات البحثية (وليس للمؤسسات مباشرة)، كما تشجع على تطوير الابتكارات السابقة وتحض على عدم الإطالة في سنوات حقوق الحماية الفكرية، كذلك من السياسات المهمة سياسة التدريب Training Policies وتهدف لتنمية الموارد البشرية وتطوير مهاراتها، وهي شيء أساسي لإيجاد المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وذلك من خلال وضع معايير مرتفعة للتعليم وكفاءة المعلمين، وإعفاء جهات التعليم الخاص من الضرائب، وتشجيع إنشاء الجهات البحثية والتدريبية المتخصصة في صناعة محددة، كذلك هناك سياسة تنمية الروابط الدولية Promotion Of International Linkage، وتهدف هذه السياسة لرفع مستوى تكامل الاقتصاد المحلي مع الاقتصاد العالمي وزيادة حجم التبادلات التجارية وجذب الاستثمارات والتقنيات الحديثة.

الأكثر قراءة