نماذج اقتصادية معكوسة
الهم الأول في المملكة كما في الدول النامية هو اللحاق بالدول المتقدمة، وحينما يلامس هذا الهم حاجة الناس يصبح النقد ومحاولة التقويم هما الطريق الوحيد للبناء التدريجي المنتظم. تبدأ العملية التنظيمية بتسليط الضوء على بعض النماذج والممارسات لمعرفة القصور والأخطاء أحياناً بغرض تفعيل المسيرة التنموية. تستثمر مبالغ كبيرة وتستنفد طاقات في عدة برامج ومؤسسات مهمة ولكن بدون مراجعات أو إعادة تفكير جادة في هذه النماذج التي من المفترض أن تخدم التنمية، ولذلك فإن المقصود تقويم هذه النماذج وتعديل بعض الممارسات التي لا تسير في النسق الطبيعي للأمور مقارنة بالدول المتقدمة. الرضا عن هذه النماذج المعكوسة يعكس مدى استسلامنا وتحملنا الأداء المتوضع إلى حد الشكوك أحياناً في مصداقية الرغبة في التقدم.
لعلني أختار ثلاثة أمثلة على هذه النماذج: أولاً: القبول بالكم على حساب الكيف مثل القبول بالضغط العام حول تكاثر الجامعات والكليات دون توفير الاستعدادات الكافية للتأكد من كفاءة مخرجات الجامعات. هناك كليات للهندسة والطب وغيرهما من العلوم المتخصصة دون وجود المكتبات والمعلمين والمكان الملائم والدوريات العلمية أو حتى التنظيم الأكاديمي الموثق، مما يكرس مقولة أننا قبلنا ضمنياً بتخريج الآلاف دون المستوى المطلوب. ثانياً: الاحتكار الفعلي للأراضي يعمل ضد شروع الدولة في التسهيل على المواطن والاستثمار الأمثل للموارد الاقتصادية. الحالة الاقتصادية في المملكة اليوم تشهد أن ملكية الأرض أكبر عائق أمام الحصول على منزل ملائم. فمن دون إصلاح جذري لتعديل اقتصاديات الأراضي سنستمر على المنوال نفسه. أكبر رأسمال يملكه المواطن العادي هو منزله بما في ذلك من ارتباط المكان والزمان وما يحمله ذلك من معان اجتماعية، كذلك حقيقة أن الاستثمار في الأراضي الخالية يعد استثمارا غير منتج. الحل دائماً في زكاة أو ضريبة حيث إن الحصر العيني والتوثيق سهل جداً دون ذلك هو تهرب من النقد الذاتي. ثالثا: هناك ظاهرة تغلب على الكثير من المؤسسات عامة أو خاصة في المملكة تظهر في التركيز على "الإدارة" على حساب الجانب الفني والتخصصي الذي تطلبه تلك المؤسسة. فمثلاً تجد رئيس التحرير أو مذيعا لامعا ومساعديه في صحيفة أو قناة هم القلب النابض بينما تذهب الغلة إلى من يتمتع بالحظوة الإدارية على حساب مضمون مهام المؤسسة الإعلامية. كذلك تجد الظاهرة في الجامعات ومراكز الأبحاث حيث إن المختص اللامع يأكل من الفتات، بينما تجد أعلى الهرم الإداري يتنعم بأعمال المختص الدؤوب.
تجتمع هذه الأمثلة من النماذج في إقصاء المهنية للمقاعد الخلفية. هذه الهرمية الإدارية المالية تأخذ طريقها تدريجياً إلى تهميش الجادين وتكريس المتزلفين.
تكريس النماذج المعكوسة ثم القفز إلى الرغبة الوجدانية في التقدم يحمل درجة عالية من السطحية أو الرياء. التعامل مع هذه النماذج بدرجة عالية من النظرة الحيادية الشفافة التي تركز على مصدر الإنتاج والحلقة الأكثر قيمة يجعل منا جميعاً مجتمعا أكثر عدالة وترابطاً وأكثر تحفيزاً للإبداع والتقدم. لذلك على الملاك والمديرين الصادقين في نصح الملاك التركيز على فهم سلسلة القيمة في هذه النماذج وتعديلها بما يخدم المواهب وبالتالي المجتمع.