أفسدوني عليك يا غازي!

[email protected]

أنتسب كما ينتسب غالب أبناء هذا الوطن إلى قوم كانوا قساة غلاظاً فأكرمهم الله بالإسلام, ورقق قلوبهم به بعد أن كانوا يجوبون هذه الصحاري بحثاً عما يسد رمقهم, ولا يتورعون في سبيل ذلك عن سفك الدماء من أجل غنيمة من هنا أو هناك, بل إن بعضهم ظل على هذه الحال حتى وقت قريب, فمن القصص المشهورة قصة ذلك الأعرابي الذي "غزا" أسرة يتيمة لا عائل لها في إحدى بقاع هذه الصحراء واستولى على ماشيتها وولى هارباً إلى دياره, وعندما لحق به البعض لاسترجاع الماشية وكانوا يعتمدون في ذلك على تتبع الأثر, أذهلهم حفاظه على الصلاة بعد أن لاحظوا آثار سجوده في أماكن كثيرة!
ولعل أشهر العادات البالية لقومي هي عدم احترامهم لأصحاب المهن الحرفية التي لطالما اعتبروها عاراَ لا يجيز تزويج صاحبها أو حتى مخالطته, بل إن عاره ربما لحق بأسرته وقد يتجاوز ذلك إلى قبيلته كاملة, متجاهلين كل المبادئ الإسلامية التي تركز على تكريم بني آدم وتؤكد أنه لافرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.
ويدرك الجميع أن سبب كثافة العمالة الأجنبية في المملكة وتضاؤل الفرص الوظيفية مرده إلى بقية باقية من آثار هذا الفكر, وأغلبنا شاهد صورة وزير العمل الدكتور غازي القصيبي وهو يقف في أحد المطاعم مرتدياً ملابس الطباخين في محاولة مستميته لإقناع الشباب بأن العمل الشريف ليس عيباً مهما كان هذا العمل.
والحق أقول إنني كنتُ مقتنعاً تماماً بتوجه الوزير في سبيل سعودة الوظائف الحرفية, وفخور بكل شاب يثق بنفسه ويمتلك الشجاعة لخوض غمار العمل, لكنني أصبت بانتكاسة عادت بي 300 سنة للوراء وقررت أن أتخلى عن هذه القناعة المدمرة بعد أن نشرت إحدى صحفنا المحلية أخيرا تحقيقاً عن جدل فقهي بين بعض المشائخ حول قبول المحاكم لشهادة أصحاب المهن "المستقذرة" والعياذ بالله!
ومما جاء في التحقيق أن فضيلة القاضي بمحكمة التمييز الشيخ إبراهيم الخضيري يرى أن شهادة موظف الصرف الصحي إذا كان يعمل في الميدان وقريباً من مياه المجاري قابلة للطعن في حال اعتراض المشهود عليه, إضافة إلى عدد كبير من المهن التي لا أود ذكرها هنا حتى لا تنهال علي دعوات أصحابها وأفسد بينهم وبين أقاربهم ومعارفهم لا سمح الله !
لكنني وبكل صراحة أتساءل إن كان موظفو مصلحة المياه والصرف الصحي على علم بهذه المعلومة الخطيرة التي أرى أن لها جانباً إيجابياً رغم سلبيتها, فهذا الحكم حسب كلام الشيخ معتبر فقهياً ويسقط شهادة بعض هؤلاء الموظفين, وبناء عليه لابد أن أنصحهم بأن يستغلوه ويطالبوا مرجعهم بصرف "بدل سقوط شهادة" مع الراتب كل شهر و"يادار ما دخلك شر", كما أن من حقهم أن يحصلوا على تصاريح للزواج بحسناوات الغرب, ويفضّل التركيات تماشياً مع الموجة العامة التي حركتها المسلسلات التركية أخيراً! ويجدر بي أن أنصح الدكتور غازي القصيبي ألا يوّرط نفسه ويرتدي يوماً ملابس الإخوة العاملين في هذا المجال, وأعتذر له عن تخلصي من قناعاتي السابقة المؤيدة لتوجهاته, فكل شيء إلا سقوط الشهادة, وعلى كل شخص أن ينتبه لشهادته جيداً ويطمئن عليها كل صباح قبل أن يذهب إلى عمله وبعد عودته, فليس من الجيد أن يعود أحدنا من العمل بلا شهادة!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي