قطاع السياحة والآثار وأهمية العمل الحكومي المشترك
السعودية هي البيت الكبير الذي يضمنا وهذا يعني أننا جميعا دون استثناء مشتركون ومطالبون في جعل هذا البيت أكثر أمنا وعدلا وراحة وإنتاجا وتنمية وجذبا استثماريا. وليس هناك سبيل إلى تحقيق ذلك إلا إذا توافرت النظرة الجماعية وإدراك المصلحة المشتركة وتغليبها على المصالح الفردية والجهوية، أو على أقل تقدير انسجام المصالح الخاصة مع المصالح العامة. وكلما كان هناك تقارب في وجهات النظر وتركيز على المصالح العليا كان ذلك اقرب وأدعى لتحقيق المنفعة الجماعية. الحقيقة الساطعة هي أن هناك الكثير الذي لا نستطيع عمله دون تعاون الجميع بقناعة تامة وإيمان عميق بهذا البيت الكبير وإدراك واضح للتأثيرات الايجابية والسلبية المتبادلة بين ساكنيه. فالكل يتكون من أجزاء وإذا قام كل طرف بما يتحتم عليه تحقق المراد بتناغم وانسجام وفاضت الخيرات والمنافع على الجميع كل قدر إسهامه في العملية الإنتاجية ومشاركته في المشروع الوطني التنموي. إنها منظومة متكاملة تتداخل فيها جميع الأطراف لترتسم تلك الصورة الجماعية والتطلعات المستقبلية في أذهان الأفراد والجماعات والمؤسسات ليشمروا عن سواعدهم لتحقيق الدور المنوط بهم من خلال الإطار الوطني الكبير والعمل المشترك في تنافس نحو الجودة والإنتاجية وتحقيق المصلحة العليا التي يرقبها ويتمناها ويسعى إليها الجميع.
ورغم أن المجتمع السعودي يمتلك القيم والأعراف الاجتماعية وقبل ذلك التعاليم الإسلامية التي تحث على التعاون والإيثار والجد والاجتهاد بما ينفع المجتمع وتقديمها على المصالح الفردية، بل إن النموذج الإسلامي يقدم معادلة تمزج بين المصالح العامة والمصالح الخاصة لتصل بالمجتمع والفرد إلى أحسن حالتيهما. إلا أن الإشكالية في واقع الحال تكون في نقطتين: الأولى، إن تعريف الارتباط الاجتماعي يكون في دائرة ضيقة من العلاقات الأسرية أو القبلية أو المناطقية أو الجهوية ولا تتعداها في كثير من الأحيان إلى علاقات أكبر وأشمل تغطي مساحة الوطن بأكمله وموضوعات لها أولوية يُفترض أن تقع في رأس قائمة العمل الحكومي. النقطة الأخرى تتعلق بالتنظيم البيروقراطي وتطبيقه دون أن تكون هناك رقابة اجتماعية - سياسية توجهه وتضبطه وتحاسبه. فالبيروقراطيات منحت مساحة كبيرة في العمل الحكومي تصل حد ممارسة سلطتي التشريع والتنفيذ في آن واحد! الجانب السلبي في ذلك ما نشهده من تشرذم إداري بحيث كل قطاع يعمل على شاكلته لينحصر الاهتمام في حيز الجهاز الإداري دون ربطه بالأهداف التنموية ومساندة كل جهاز للآخر، بل قد يكون على العكس من ذلك تماما نوع من التضاد والتنافس السلبي وتناحر إداري على استحواذ أكبر قدر من الصلاحيات والموارد.عندما تغيب الاستراتيجيات ولا تكون هناك هيئات اجتماعية - سياسية تراقب وتنعدم الشفافية والمساءلة والربط بين المدخلات والمخرجات تدخل البيروقراطيات في نفق مظلم بحيث لا ترى ولا تُرى ويكون العمل عشوائيا وردود أفعال آنية ومعالجة لأزمات متلاحقة لا تترك فرصة للتخطيط والتطلع للمستقبل. وتستمر الأمور على هذا المنوال على الرغم من الجدية في البحث عن مخرج لهذه الأزمة الإدارية التي تضرب العمل التنموي في خاصرته وتعرقل التقدم الحضاري والمضي قدما نحو آفاق أرحب تمنحنا القوة والمنعة والقدرة على مواجهة التحديات والمنافسة العالمية.
العمل من أجل العمل مبدأ يجب أن نلغيه من قاموسنا الإداري وفلسفة خاطئة تعطي تصورا خادعا للعمل بحيث نسمع جعجعة ولا نرى طحنا. لقد أصبح لزاما تبني مبدأ العمل من أجل النتائج. نتائج تقود لإتمام البناء الوطني بتناغم وتناسق في الأدوار ومراحل متتابعة مدروسة دون تعارض وتضاد حتى يكون البناء صحيحا سليما قويا متماسكا ذا كفاءة وفاعلية. ليس المهم أن نعمل، ولكن الأهم أن نعي لماذا نؤدي هذا العمل أو ذاك وربطه بالنتائج المرجوة وما تضيفه إلى التنمية الاقتصادية الوطنية. لقد مضى حين من الدهر ونحن نتغنى بالناتج لا بالنتيجة، ولا نلقي بالا للتأثير النهائي للمشاريع والأنشطة الحكومية والخاصة في الاقتصاد الوطني والمجتمع. لقد حجبت عنا الأرقام المضخمة المنتفخة حقيقة الأمر وصارت تدغدغ مشاعرنا وتعظمها في عيوننا وتجعلنا ننتشي لذة التنمية والتقدم في خيالاتنا فقط. الأرقام دون أهداف مرجعية وخطط استراتيجية شاملة ومعايير محددة تصبح أرقاماً مجردة يمكن تأويلها في أي اتجاه. ما الفائدة لو أمضينا كل الوقت نتغنى بأطوال الطرق، وخدماتها دون المستوى المطلوب، فلا الصيانة ولا الاستراحات ولا محطات الوقود تعكس المستوى الاقتصادي الوطني. المدارس، المستشفيات الحكومية، المياه والصرف الصحي وغيرها من القطاعات تعاني معظمها الخداع الإحصائي. منذ أمد طويل ونحن نقرأ عن مشاريع تمديد المياه والصرف الصحي ولا يكاد يمضي يوم إلا وتطالعنا الصحف اليومية بأرقام طويلة نعجز عن قراءتها، ومع هذا ما زالت المدن تعاني أزمات المياه والصرف الصحي وتغرق من زخات بسيطة من المطر، والوقت ذاته تطفو المدن على بحيرات من المياه المتسربة من أنابيب المياه والصرف الصحي المهترئة. الأرقام تبهر حتى وإن كانت صحيحة، فالمسألة ليس فقط تقديم خدمات أو مشاريع ولكن التأثيرات النهائية والمنافع المتوخاة مقارنة بتكاليفها بما في ذلك حجمها وموقعها وأهميتها.
لقد أظهر قطاع السياحة والآثار أهمية تضافر الجهود بين جميع الجهات الحكومية والمجتمع بمؤسساته وأفراده. ولذا لم يكن مستغربا أن تكون الهيئة العامة للسياحة والآثار سبّاقة في عمل اتفاقيات شراكة مع أجهزة القطاعين العام والخاص. لقد كان أمرا مستغربا في حينه، إذ لم يعتد أحد على التفكير الجماعي والتعاون المشترك في إنجاز المهام الحكومية. واليوم أخذت هذه المبادرة تسري بين الأجهزة الحكومية ويطبقها الكثيرون. لكن السؤال: هل يكفي أن يتم التوقيع على مذكرات تفاهم دون التزام تام وجدية في التطبيق؟! الجواب بطبيعة الحال بالنفي. وأعتقد أن الهيئة العامة للسياحة والآثار قد خُذلت من البعض، بل إن هناك مَن لا يرى في السياحة قطاعا اقتصاديا أو لا يود أن يكون كذلك والدليل أن الهيئة لم تستطع أن تنجز الكثير مما خططت له وعملت جاهدة بمهنية عالية. الكل يعلم ذلك لأن عمل الهيئة يطرح بكل شفافية متناهية لدرجة أنها مرشح قوي لنيل جائزة السعفة. المشكلة يختصرها المثل الشعبي "إيد وحده ما تصفق!!" ويعني أنه مهما بلغت الهيئة العامة للسياحة والآثار من قوة عزيمة ووضوح رؤية وإمكانات مادية وبشرية لن تستطيع تحقيق شيء على الأرض دون مشاركة إيجابية من جميع الأجهزة الحكومية. على سبيل المثال، خدمات الطرق السريعة جزء لا يتجزأ من التطوير السياحي، إذ توفر بيئة جاذبة ومساعدة ومساندة للسياحة. السياحة ليست نشاطات ترفيهية وتعليمية وصحية وثقافية ومناظر طبيعية وحسب، ولكنها منظومة متكاملة من الخدمات المساندة والبنى التحتية التي تتيح الوصول والاستمتاع بهذه المواقع والأنشطة السياحية. أي من أجل أن يكون هناك جذب سياحي يجب أن تتوافر الوسائل والخدمات . الهيئة لا تستطيع أن تكون مسؤولة عن كل الأمور مثل الطيران، الطرق، الخدمات الحضرية، وثقافة الضيافة في الأجهزة الإدارية. قطاع السياحة والآثار قطاع مجتمعي متشابك يتداخل فيه الجميع أكثر من أي قطاع آخر، وبالتالي فإن فرصة النجاح مرهونة بمدى تعاون الجميع ورغبتهم في الإنجاز وإدراك أن العائد من السياحة عائد مجد على المستويات الوطنية والمناطقية والمحلية والمؤسسات والأفراد. وحينما تكون السياحة مهمة الجميع عندها فقط نأمل في نجاحها.