المواطن السعودي: بين "الشريطي" الحديث وكرم الحكومة
لا يزال الوسيط يقوم بدور مهم في عالم يسوده اقتصاد السوق وليس هناك مهرب من وصف عالم اليوم بأنه عالم سيطرة السوق في الاقتصاد والمجتمع وحتى في السياسة، وما السوق إلا وسيلة لفرز الأقوى والأصلح على المدى البعيد، في الماضي القريب كان "الشريطي" وظيفة مهمة ولا أحد يتجرأ على إنكار الدور المهم الذي يقوم به في تسهيل الحركة التجارية، ولكن النظرة الاجتماعية لم ترتق أبداً إلى هذا المستوى من الأهمية، تدريجياً انتهى دور المواطن السعودي في هذه الوظيفة لأسباب موضوعية، ولذلك ظهر شريطي جديد ليواكب مقولة لكل زمان رجاله، ولعل "شريطي" اليوم هو فقط موظف الحكومة الذي يحتاج إليه المواطن السعودي، ونقصد بالشريطي الحديث ذلك الموظف الذي يتاجر بخدمات الحكومة، يمر الجهاز الحكومي في المملكة بتحول كبير من خلال استعلاء الجهاز البيروقراطي وتحوله من ذراع حكومية لخدمة الناس إلى دور "الشريطي"، حيث تمكن في التغلل بين كرم الحكومة ورغبة القيادة في تقديم الأفضل للمواطنين من ناحية وبين ضرورة الحكومة استخدام موظفين صادقين يقدموا الأفضل للمواطن من ناحية أخرى. في غفلة، استطاع موظف الحكومة أن يتحول من مقدم صادق للخدمة إلى شريطي يساوم على شيء لا يملكه وهو الحق المكتسب للمواطن في تلقي "خدمة حكومية".
يلاحظ دور "الشريطي" الحديث في كل مدينة وكل مؤسسة حكومية بدرجات مختلفة، ولا نريد أن نعمم فهناك رجال ونساء شرفاء في المجتمع يخشون الله ويحبون بلادهم ويقدرون دورهم ويحترمون القيادة، ولكن جزءا معتبرا منهم اختار القيام بدور الشريطي بدرجة من المهارة، حتى وصل إلى التدرج في تسعير الخدمات الحكومية من خلال التفنن في تقديم المعلومة أو الوقت. المحزن في الموضوع أن جزءا معتبرا من هؤلاء يعمل في الجهات ذات العلاقة بالمواطن مثل البلديات وسلك القضاء وحتى مكاتب بعض الوزراء، ولم يسلم التعليم والصحة والإعلام والتجارة والجمارك والمالية من دور الشريطي المرموق.
مشكلتي مع الشريطي الجديد بسيطة: فهو يعطل الإنتاجية ويسيء لسمعة الحكومة ويعمل على دور ضرائبي في بلاد اختارت قيادتها ألا تفرض على المواطن ضرائب، لكن الشريطي أخذ على عاتقه هذا الدور. فمن يلومه: حينما اختار الكثير من الأجهزة الرقابية الاعتكاف عن دور الرقيب اليقظ، الشريطي دائماً ماهر فهو يراقب أكثر من المراقب، ولذلك هناك علاقة شد وجذب بين المراقب والشريطي، فهما يراقبان بعضهما بعضا بدرجة عالية من الحذر. المراقب ليس متأكدا من دوره ويتساءل دائماً ولو نظرياً حول المصلحة العامة، والثاني يحاول أن يعايش واقع المصلحة الآنية ويأمل أن يكون المراقب مشغولا بين التنظير والأوراق والإجراءات الحكومية، وبين هذا وذاك فرصة للبعض من موظفي الحكومة في الكسب المادي غير المشروع. لعلها نكسة تنموية مؤقتة أخرى حيث تحول دور الشريطي الاقتصادي من دور فاعل في اقتصاد السوق إلى دور حكومي غير منتج، وهذا عكس اتجاه التخصيص، بل إنه تأميم من نوع آخر. الحل ألا نسمح كقيادة ومجتمع لأحد بأن يخذل المواطن والمسؤول من خلال المكاشفة والشفافية أولاً، وثانياً من خلال تقليل دور الجهاز الحكومي قدر الإمكان، وثالثاً تسليط الضوء الاجتماعي والديني على هذا الدور السلبي، وأخيراً تفعيل الأجهزة الرقابية وتدوير الموظفين.