الأولمبياد الدولي ومستلزمات النجاح

[email protected]

قبل ما يقارب الأسبوعين افتتحت في بكين الدورة التاسعة والعشرون للألعاب الأولمبية وقد شارك الكثير من دول العالم في هذه الدورة ومعها العديد من الدول العربية، وتمثل هذه الدورة واستضافتها حلماً لبعض الدول تسعى جاهدة للفوز بهذا الحدث، كما أن تحقيق نتائج جيدة والفوز بالميداليات يمثل هدفاً يجهد الأفراد الرياضيين ودولهم من أجل تحقيقه. ترى ما السبب وراء هذا الحرص على استضافة الألعاب الأولمبية والمكاسب المترتبة على ذلك؟ تأملت في هذا الأمر، فألفيت أن المكاسب كثيرة فبعض الدول تأخذ من هذه الفرصة وسيلة للتقرب من العالم الآخر والانفتاح عليه بدلاً من الانعزال والانكفاء على الذات، كما في حالة الصين التي كانت إلى وقت قريب بعيدة عن العالم وغير منفتحة عليه، ومع أن أنظمة الـ "فيفا" تؤكد أن الألعاب الأولمبية ليس لها أهداف سياسية، ويجب ألا تستخدم لهذا الغرض إلا أن الانفتاح على العالم من خلال الأولمبياد يمثل مكسباً سياسياً سواء خطط لتحقيقه، أو لم يخطط، وهذا ما حدث فعلاً حيث وجدت الصين نفسها تستقبل وفوداً من شتى أنحاء العالم، يتكلمون لغات مختلفة، وينتمون إلى مناطق جغرافية متعددة، ويحملون ثقافات متنوعة. كما أن بلد ما يربو على المليار نسمة أصبح مفتوحاً أمام الآخرين من خلال هذه المناسبة، وأصبح بإمكان الآخرين التعرف عليه، وعلى مكوناته الثقافية والاجتماعية والديموغرافية المتعددة. ليس من الضروري أن تكون النتائج السياسية آنية، بل إن هذه المكاسب قد تأتي فيما بعد، وذلك من خلال ما يعود به من حضروا المناسبة من انطباعات سواء كانت إيجابية أو سلبية، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى حرص الوفود المشاركة على زيارة ميدان ميان تو الذي أصبح رمزاً للحرية، والمطالبة بالديموقراطية وذلك بعد المظاهرات الشهيرة التي أخمدت بقوة السلاح من قبل السلطات الصينية، ولذا جعلت السلطات الصينية زيارة هذا الميدان وفق ترتيب معين، وبحضور أمني مكثف في المكان. هل مكاسب هذه الدورة سياسية فقط؟ كلا فإلى جانب المكاسب السياسية مكاسب اقتصادية، وإدارية، وثقافية، المكاسب الاقتصادية تتمثل فيما سينفقه المشاركون من وفود، وحضور يعشق الرياضة إذ إن هؤلاء سيشترون بالعملات الصعبة الهدايا، والاحتياجات الشخصية إضافة إلى المآكل، والمشارب، والسكن، وجميع الأمور الأخرى, ومع أن ما قد ينفق لا يساوي شيئاً أمام النفقات التي صرفت على الإعداد لهذه الدورة من إنشاء للملاعب، والميادين، ومن تجهيزات، ومن ترتيب، وإجراءات أمنية إلا أن المكاسب الاقتصادية المستقبلية هي ما يعول عليها، فالبضائع الصينية ستكون في متناول الوفود، وجميع الحضور، وسيتم التعرف على الجديد منها، وهذا بدوره قد يترتب عليه صفقات، وعقود مربحة مع الدول المشاركة التي قد تستفيد من الخبرة الصينية في إنشاء الملاعب، وجميع التجهيزات. أما المكاسب الإدارية فهي هدف لا يمكن إغفاله فهذه الدورة فرصة لصقل الكوادر، وبناء المهارات لاستقبال آلاف المشاركين، ويكفي ما كتب حول نجاح مهرجان الافتتاح، الذي نال الكثير من الإعجاب مما يؤكد توافر المهارات الإدارية الفائقة، إن النجاح في تنظيم دورة أولمبية عالمية بهذا الحجم من المشاركة، وبهذا التنوع من المشاركين، وبهذا العدد من الألعاب يحتاج إلى فريق عمل لا يستهان به من حيث العدد، والكفاءة لإدارة مثل هذا التجمع، ولذا لا نستغرب عدم حصول بعض الدول على فرصة استضافة هذه الألعاب نظراً لافتقادها عناصر النجاح ومنها الجانب الإداري، والذي يمثل عنصراً أساساً في هذا الشأن. المكاسب الثقافية تعد أمراً حيوياً في مثل هذه المناسبات، وقد تتحقق هذه المكاسب إما بصورة مقصودة ومخطط لها، وذلك من خلال الجرعات الثقافية التي تمررها الدولة المضيفة من خلال الكلمات أو الموسيقى أو الأغاني أو الألوان التي تصاحب الفعاليات أو بالنشرات والكتيبات، أو الزيارات للمعالم، والآثار، والأماكن المهمة في البلد كما في حالة سور الصين العظيم والذي ذكرت الأخبار قيام كثير من المشاركين بزيارته، لأن مثل هذه الفرصة قد لا تكرر لأي فرد إما بسبب عدم القدرة المالية أو بسبب الإجراءات الدبلوماسية كتعذر الحصول على التأشيرة أو ما شابه ذلك. إن الأثر الثقافي يمتد ليطول معرفة العادات، والتقاليد، وأنواع المآكل، والمشارب، واللباس، وأدوات الزينة، والأواني، والمعابد، والطرز المعمارية، ونظم السير، وجميع الأمور الأخرى، ويكفي الإشارة إلى الطلب الذي تقدم به الـ "فيفا" لمنع تقديم لحوم الكلاب أثناء انعقاد الدورة، والتي تشكل جزءاً من مائدة الصينيين. المكاسب التي تتحقق بانعقاد الأولمبياد في بلد من البلدان كثيرة شريطة القدرة على توظيفها وإدارتها أحسن إدارة، ولذا يحسن بنا أن نتساءل هل أي من الدول العربية لديها الرغبة في استضافة الأولمبياد، وهل لديها القدرة إلى جانب الرغبة؟ لا أعتقد أن القدرة المالية ستحول دون ذلك خاصة لبعض الدول الثرية، إذ بإمكان البعض إقامة الملاعب، وإيجاد التجهيزات اللازمة، لكن الملاعب، والتجهيزات تحتاج إلى إدارة قادرة على إدارة هذه المناسبة الكبيرة، وهذا قد لا يكون متوفراً في الوقت الراهن في العالم العربي لأن القائمين على الشأن الرياضي قد لا تتوافر لديهم هذه الخصائص مما يمثل عائقاً قوياً، وهذا مرده إلى أن اختيار القيادات الرياضية ليس قائماً على الكفاءة بقدر ما هو على المحسوبية والعلاقات. أما النوع الثاني من الإدارة فهو الإدارة الفنية، وهذا النوع قد يكون متوافراً لكنه يفتقد القدرة على اتخاذ القرارات، ومعالجة المواقف التي يحتاج الوضع إلى اتخاذها لأنه مرتبط بإدارة أعلى منه هي عاجزة في ذاتها، وليس لديها القدرة والمؤهلات الإدارية اللازمة، إن التشريعات والأنظمة والثقافة الرياضية أمور حتمية إلى جانب ما سبق الإشارة إليه لأي بلد يرغب في استضافة الألعاب الأولمبية، ومتى ما توافرت هذه الأمور أصبح بالإمكان ضمان النجاح في هذا المجال. والغريب في الأمر أن الإنفاق السخي على الرياضة في العالم العربي لا يترتب عليه تحقيق نجاحات في الأولمبياد الدولي مما يؤكد افتقاد المؤسسات الرياضية في عالمنا العربي الكفاءات الإدارية القادرة على النهوض بهذا المجال، ويكفي أن نصيب العرب من الميداليات في جميع مستوياتها لا يمثل شيئاً يمكن ذكره مقابل ما تحققه الدول الأخرى التي قد يكون إنفاقها العام على الرياضة أقل مما تنفقه بعض الدول العربية باسم الرياضة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي