انطباعات سفر.. عن أخلاقيات التعامل أحدثكم!
قدر لي أن أزور بعض المدن الألمانية خلال هذا الصيف لسبب يتعلق بأحد أفراد عائلتي, وهو ما أتاح لي الفرصة لكي أحتك وأتعامل عن قرب مع فئات من المجتمع الألماني, وأتعرف على أخلاقياته, وأسلوبه في التعامل, بصورة أكثر من أي مرة زرت فيها هذا البلد, الذي يقف في المقدمة من العالم, تنظيما ورقيا وصدقا في التعامل واحتراما للآخرين, والتزاما بالنظام العام, الأمر الذي جعلني أقف وأتأمل وأتساءل: ألسنا ـ كمسلمين ـ أجدر بالالتزام بهذه الصفات من غيرنا؟! حيث يوحي ديننا بأن جوهره يتمثل في المعاملة, اتساقا مع القول المأثور "الدين المعاملة"؟ بيد أن تساؤلي ينقلب إلى حسرة وأنا أرى جميع الأمور المتعلقة بالجانبين الأخلاقي والديني فينا تتدهور يوما بعد يوم. وأننا تخلينا عن كل ما يمت إلى حسن التعامل بصلة, وحلت صفات مثل الخيانة, الغش, التدليس, الكذب, وأكل الأموال بالباطل, محل ما أمرنا به الدين من الصدق والأمانة والإخلاص والوفاء بالحقوق, حتى امتنعنا عن مد يد المساعدة للآخرين وأصبح الواحد منا يرتاب من أخيه وجاره, ويمتنع عن السلام عليهما, حتى تقطعت أواصر المحبة والتعاون على البر والتقوى, كما أمرنا الله, بيننا.
هناك يسرّ الناس لمساعدة الغريب والزائر, أو الذي لا يعرف اللغة, ويتوقفون للاستماع إليه ومحاولة مساعدته, فيما يسأل عنه, إن كان مكانا أو طريقا, بل يصحبونه إذا استدعى الأمر, إلى حيث يتأكدون من وصوله, أو معرفته اتجاهه, وهنا (أي لدينا) لم يعد أحد يحب مساعدة الآخر ولا حتى بالكلام, لارتيابه منه, وشكه في مقصده, وإن وجد أحدنا مسافرا مقطوعا تعطلت به مركبته, ينشد المساعدة, فإنه يعرض عنه ولا يأبه به, خوفا مما قد يحدث له وصار الناس أشبه بالوحوش تجاه بعضهم.
هناك يلتزم الناس بنظام المرور, وتأخذك الدهشة وأنت تدلف إلى هذا البلد من الدقة والانضباط السائدين, حيث لا يفكر أحد في المخالفة, حتى إن كانت الشوارع والطرقات السريعة خالية من أي رجل مرور رسمي, لأن كل واحد يعد نفسه رجل مرور, فكيف يجيز لنفسه المخالفة؟ وهناك لا تكاد ترى حادثا مروريا رغم أن السرعة مفتوحة على الطرق السريعة, وهو ما حدثني به سائق التاكسي الذي أقلني من المطار, عندما رآني مرتبكا لمنظر مؤشر السرعة في سيارته وهو يقترب من 200 كيلو متر.
وهنا, أي لدينا, فإن الذي لا ينساق مع الآخرين ويخالف يعد غريبا ومستهجنا وتحاصره الأبواق والنظرات من كل جانب, ويضطر إلى إخلاء الطريق خوفا على نفسه, والكثير منا يستحضر الشهادة عندما يمتطي سيارته خوفا من ألا يعود إلى أسرته, أما الحوادث فهي مميتة وتقع بالجملة حتى في شوارع المدن وطرقاتها العادية.
التعاملات كافة مبنية على الثقة الكاملة, في البيع والشراء, في الحجوزات والاستئجار والانتقال والسفر, ويعتمد الناس على الوسائل الإلكترونية في كل إجراء, أما هنا فيظلل الشك والريبة كل التعاملات, حتى إن وثقت بالمستندات.
سيارات الأجرة في غاية النظافة, وسائقوها في منتهى الرقي في التعامل, يتكفلون بحمل حقائبك وإنزالها معك, بعد أن يتأكدوا بأنفسهم من وصولك إلى المكان المقصود, أما لدينا فيكاد نفسك يختنق من رائحة السيارة ومن فيها, ويأمرك بعض السائقين بوضع حقائبك بنفسك, هذا إذا لم تتعرض للشد والجذب من قبل السائقين, وأنت تدلف إلى أرض أحد المطارات في المملكة.
هناك الطبيب لا تفارقه الابتسامة وهو يستقبل مرضاه على مدى 12 ساعة أو أكثر في اليوم, ولا ينظر إلى ساعته مستعجلا الوقت, وهنا: يعلو العبوس وجه الطبيب وهو ينظر إلى المريض والقلم في يده, ليبدأ في كتابة قائمة الأدوية مرتفعة الثمن, التي إن أخطأ واحد منها يصيب الآخر, مثلما يصيبه هو نصيبه من الأرباح منها, وهمه الأول يتركز في عدد المرضى الذين دفعوا الحساب الذي يتقاسمه في نهاية الشهر مع المصحة التي يعمل لحسابها, أو تعمل هي لحسابه.
هذه حالنا اليوم, وقد كانت بالأمس أفضل, فماذا ستكون عليه في الغد؟ إذ إن كل يوم يأتي يحمل معه الجديد من حالات الإبداع في التحايل والنصب, والابتزاز, التي لم نرها إلا في هذا المجتمع المسلم, مجتمعنا بالذات, حتى صار من يدعون الدين, والتمسك بتعاليم الشريعة قولا ومظهرا, أبعد ما يكونون عن ذلك تطبيقا وعملا. والله من وراء القصد.