هل "تغلّس" إســرائيل على مشـروع ابن لادن؟
قبيل أيام قلائل وقّع رجل الأعمال طارق بن لادن مع الرئيس إسماعيل عمر حيلة رئيس جمهورية جيبوتي عقداً ينص على تنفيذ مشروع بناء جسـر يربط مدينتي النور المزمع إنشاؤها على ضفتي مضيق باب المندب، ضمن مشروع تجاري عالمي تقدر تكاليفه بـ 50 مليار دولار.
وقبل ذلك وقع المقاول طارق بن لادن عقداً مماثلاً مع الرئيس اليمنى علي عبد الله صالح. والدولتان (اليمن وجيبوتي) عربيتان منضمتان إلى جامعة الدول العربية. والدولتان ـ من حُسن أو سوء حظهما ـ تقعان في حلق باب من أهم أبواب الملاحة الدولية في العالم.
والمشروع يهدف إلى إنشاء (مدينتي النور) على الطرف الجنوبي الغربي لجمهورية اليمن بمساحة 1500 كيلو متر مربع، تقابلها مدينة شـبيهة بمساحة 1000 كيلومتر مربع على ساحل جمهورية جيبوتي، ويربط المدينتين جسـر بري بعرض ستة مسارات، كما ترتبط المدينتان بأربعة خطوط لمشروع سكة حديد من المؤمل أن ينفذ على درجة كبيرة من المهنية والجمال، إضافة إلى ذلك يتضمن المشروع تنفيذ مشروع خط أنابيب لتوصيل المياه والبترول لكل أنحاء المدينتين، وســيبلغ طول الجسر الذي يربط مدينتي النور بين اليمن وجيبوتي نحو 28.5 كيلو متر، ولذلك سيكتسب الجزء المعلق من الجسر لقب أطول جسر معلق في العالم، ومن المقرر أن يستوعب الجسر عند استكماله 100 ألف سيارة و50 ألف مسـافر بالقطار يومياً، إضافة إلى آلاف الأطنان من شاحنات النقل وعربات السكك الحديدية، كما أن المشروع سيتميز بوجود مناطق تجارة حرة ومبان مخصصة للبحث والتطوير وميادين تكنولوجية ومناطق مالية ومقاطعات تجارية للماركات الكبيرة في العالم..
هذا هو البعد التجاري المعلن لمشروع الجسـر ومدينتي النور المزمع تنفيذهما على ضفاف مضيق باب المندب!
ولكن البُعد الجيوستراتيجى والبُعد الجيوسياسى يفرض علينا إعادة التفكير مرات ومرات، ويتطلب منا الحيطة الشديدة في تنفيذ مثل هذه المشاريع، ولاسيما إذا كان المشروع ـ بشكله المفصل أعلاه ـ يبرّح لكثير من الأعمال التي يبْرع زبانية الغرب في امتهانها.
ولذلك ما نؤكده أن مشروعاً كهذا في منطقة كهذه لابد أن يكون له بعد استراتيجي يرتبط بالأمن القومي لجميع الدول العربية، فمنطقة باب المندب شهدت أحداثاً على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، وبالذات بالنسبة للصراع العربي - الإسرائيلي، ونتوقع أن يمتد نفوذ الدول الكبرى بقوة إلى هذا الباب الذي اكتسب ـ على مر العقود القليلة الماضية ـ أهمية بالغة على طريق التجارة الدولية. ونذكر ـ على سبيل المثال ـ أنه أثناء العدوان الثلاثي على مصر في 1956 قدمت إثيوبيا لإسـرائيل تسهيلات لوجستية على باب المندب بهدف تمكين إسرائيل من مراقبة كل السفن التجارية والبترولية التي تمر بهذا المضيق الاستراتيجي الحساس، ولكن اليمن بادرت وأعطت للقوات المصرية تسهيلات أمكن من خلالها إجهاض التعاون العسكري بين إسرائيل وإثيوبيا.
كذلك أثناء حرب 5 حزيران (يونيو) 1967 التي اندلعت بين العرب وإسرائيل منحت حكومة اليمن للقوات المصرية تواجداً عسكرياً لمنع التوغل العسكري الإسرائيلي في باب المندب، أمّا في حرب 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 (العاشر من رمضان) فقد نشبت معركة أخرى كانت تدور في صمت بين العرب وإسرائيل على مضيق باب المندب، ولعبت القوات العسكرية المصرية واليمنية دوراً رائعاً في منع إسرائيل من التأثير سلباً الملاحة الدولية في هذه المنطقة الحساسة. وهكذا على مدى العقود القليلة الماضية ظلت اليد الطولى للملاحة في البحرين الأحمر والعربي، وكذلك في الخليج في يد الدول العربية.
ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل إن القوات الإريترية العسكرية فاجأت العالم في عام 1997 باحتلال جزر حنيش الكبرى والصغرى، وهذه الجزر تطل على باب المندب مباشرة وهي جزر يمنية، وفيها سكان يمنيون وقوات عسكرية يمنية، ولذلك كان الاحتلال الإريترى مفاجأة للإريتريين قبل اليمنيين، بل كان الاحتلال مفاجأة للعالم كله، ولكن الدبلوماسية العربية تعاملت مع الغزو المسلح الإريترى بكياسة شديدة وفطنت إلى أبعاد هذا العدوان المفاجئ الذي كان يهدف إلى إدخال اليمن والعرب في حرب استنزافية جديدة، ولذلك اتخذ مجلس الجامعة العربية ـ الذي عقد بناء على طلب الحكومة اليمنية ـ قراراً واعياً بأن تتقدم اليمن بشكوى ضد العدوان الإريترى إلى مجلس الأمن وإلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وطبعاً دفعت اليمن بكل وثائقها وقرائنها إلى محكمة لاهاي، بينما لم تملك إريتريا إلاّ مجموعة مزاعم كلامية مرسلة وادعاءات باطلة أفقدتها مصداقيتها، ولقد أصدرت محكمة لاهاي حكماً يؤكد أن جزر حنيش يمنية، وطلبت من إريتريا الانسحاب منها وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين، وأنذرت إريتريا بعدم اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية في هذه القضية.
وفي ضوء هذه التطورات العسكرية التي وقعت على مدار أكثر من خمسين عاماً، فإن أي مشروع اقتصادي عربي في منطقة باب المندب.. يحتاج إلى كثير من الحيطة، فإسرائيل ومن ورائها ومن أمامها الدول الغربية الكبرى لا ولن تغمض أعينهم أبدا عن منطقة بمثل هذه الحساسية، ولاسيما أن وقوع مثل هذه المشاريع الاقتصادية العالمية في قبضة العرب (هذا إذا كانت في قبضة العرب أصلاً).. سوف يجهض الفوائد الجمة المتوخاة من مشروع قناة البحرين الذي بدأت إسرائيل تنفيذه في البحر الميت هذا العام 2008 بعد أن انتزعت ـ للأسف الشديد ـ التوقيع عليه من المملكة الأردنية الهاشمية والسلطة الفلسطينية.
وأعد القارئ الواعي بأنني سـأعود في مقالة قادمة وأكتب عن مشروع البحرين الذي بدأت إسـرائيل تنفيذه في هذا العام، وأبيّن حجم الثمن الباهظ الذي سيدفعه العرب في المستقبل القريب والبعيد بسبب قيام هذا المشروع الذي تقرر البدء في تنفيذه على عجل حتى تتمكن إسرائيل من استكمال السيطرة على مقدرات الماء والكهرباء والحياة في كل الدول العربية وليس فقط في غزة!!. ولذلك فإن مشروع البحرين الإسرائيلي يحظى باهتمام غير عادي من المنظمات اليهودية في كل أنحاء العالم وعلى رأسـها الإيباك، بل الأخطر من ذلك أن البنك الدولي للإنشاء والتعمير مهتم جداً بتنفيذ المشروع، ومعرباً عن استعداده للمساهمة في التمويل. المهم يبدأ المشروع لأنه إسرائيلي 100 في المائة.