رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الدرس الفنلندي في صناعة تقنية المعلومات والاتصالات

[email protected]

1993: أزمة اقتصادية تعصف بالاقتصاد الفنلندي وتسبب حالة من الركود وشبه الانهيار.
1999: معايير الاقتصاد العالمي تصنف الاقتصاد الفنلندي كأكثر اقتصادات العالم قدرة تنافسية.
2005: تحافظ فنلندا على موقعها المتقدم في خريطة العالم الاقتصادية.
وافتنا الصحافة العالمية خلال الأعوام الـ 23 الماضية بهذه الأخبار الاقتصادية الثلاثة. فهي تجسد مراحل نقل الاقتصاد الفنلندي من المحلية إلى العالمية. وهي تحمل في طياتها دروسا في أهمية توثيق العلاقة بين القطاعين العام والخاص ليس في تحقيق النمو الاقتصادي فحسب، وإنما في المحافظة على استدامته.
واجهت فنلندا في بداية التسعينيات الميلادية أعنف أزمة اقتصادية عرفتها منذ الحرب العالمية الثانية. تسببت الأزمة في انخفاض الناتج القومي الإجمالي بمقدار 20 في المائة، وارتفاع معدل البطالة إلى 17 في المائة، وانهيار السوق المالية، وتراجع قيمة العملة المحلية (المارك قبل التحول إلى اليورو) إلى 40 في المائة، وعجز كبير في الموازنة الحكومية العامة.
تعددت أسباب الأزمة الاقتصادية من أسباب محلية، تمثلت في أخطاء في السياسة المالية وسرعة انفتاح السوق المالية على الأسواق العالمية، إلى أسباب إقليمية، تمثلت في ركود الاقتصاد الأوروبي وانهيار الاتحاد السوفياتي.
وضعت فنلندا لتجاوز الأزمة رؤية مستقبلية لاقتصادها تلخصت في جعل الاقتصاد الفنلندي يتبوأ موقعا متقدما في خريطة العالم الاقتصادية. وبسبب أن موارد فنلندا الطبيعية تعتبر متواضعة مقارنة بتلك الموجودة لدى جاراتها من الدول الإسكندنافية، كان لا بد من الاعتماد على موارد غير طبيعية تمثلت في اقتصاديات المعرفة لبلوغ الرؤية الاقتصادية.
لم يكن الطريق مفروشا بالورد. استلزم الأمر إعادة هيكلة جميع السياسات الاقتصادية الكلية والجزئية. ركزت السياسات الكلية على ثلاثة محاور. المحور الأول تطوير نظام التعليم عن طريق إعادة صياغة مناهج التعليم العام والجامعي، وزيادة القدرة الاستيعابية للجامعات. والمحور الثاني تطوير البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات لتغطي الخدمات جميع المدن والقرى والهجر. والمحور الثالث زيادة استثمارات القطاعين العام والخاص في مراكز الأبحاث والتطوير حتى بلغت في منتصف التسعينيات نحو 50 في المائة من مجموع الاستثمارات.
ركزت السياسات الجزئية على محورين. المحور الأول تحوير بعض الصناعات القائمة لاستحداث صناعات جديدة. مثال ذلك تحوير نشاط شركة نوكيا من صناعة الأخشاب والورق إلى صناعة أجهزة الهواتف المحمولة. والمحور الثاني زيادة فاعلية كل قطاع صناعي. تم ذلك عن طريق مراجعة وضع المصانع غير المنتجة، ومن ثم دمجها مع مصانع أخرى ذات قدرة إنتاجية أفضل أو إقفالها كلية.
فُتحت بعد ذلك قناة اتصال مباشر بين الجامعات ومراكز الأبحاث والتطوير، من جهة، والشركات المحلية، من جهة أخرى، للتعاون المشترك في مجال إعادة هيكلة مناهج التعليم وتوجيه أنشطة الأبحاث والتطوير بما يتوافق والاحتياجات المستقبلية للشركات المحلية.
بدأت عملية جني ثمار إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية بعد نحو خمس سنوات، وبالتحديد في نهاية التسعينيات الميلادية. حيث ارتفع الناتج القومي الإجمالي إلى 5.6 في المائة، وانخفض معدل البطالة إلى 9.8 في المائة، واستعادت السوق المالية عافيتها باستثمارات تعدت 100 مليار دولار أمريكي، وحققت الموازنة الحكومية العامة فائضا بمقدار 7 في المائة من الناتج القومي الإجمالي.
لم تقف عملية جني الثمار عند هذا الحد, بل تعدتها لتحصل فنلندا على اعتراف عدد من المنظمات والمؤسسات الدولية بالمستوى المتقدم الذي تبوأه الاقتصاد الفنلندي في خريطة العالم الاقتصادية. على سبيل المثال، حصل الاقتصاد الفنلندي عام 2001 على التصنيف الأول في مؤشرات التنمية الاقتصادية لكل من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي وبرنامج التنمية للأمم المتحدة.
صناعة تقنية المعلومات والاتصالات الفنلندية كانت وما زالت الدافع الرئيس لعجلة التنمية الاقتصادية. فالصناعة تتكون من نحو ستة آلاف شركة تعمل في ثلاثة مجالات رئيسة: المعدات التقنية، والبرمجيات المتقدمة، والاتصالات اللاسلكية. تتربع شركات عالمية مثل شركتي نوكيا ولينكس، المنتجة لبرامج تشغيل الحاسبات، على هرم الصناعة باستحواذها على نحو 11 في المائة من مجموع ناتج الصناعة و20 في المائة من مجموع الصادرات الكلي.
ولكن.. كما يقال: دوام الحال من المحال. بدأت أخيرا بعض التحديات الاقتصادية تلوح في الأفق الفنلندي.
شجعت النتائج الجيدة للاقتصاد الفنلندي خلال بداية القرن الشركات المحلية على التوسع خارجيا. فنجد على سبيل المثال أن شركة نوكيا أنشأت مصانع إنتاج أجهزة الهواتف المحمولة في بعض دول شرق أوروبا وآسيا لتغطية الطلب العالمي من جهة، وتقليل التكلفة التشغيلية من جهة أخرى. كما قامت الشركة بنقل مركزها الرئيس للأبحاث والتطوير إلى غرب أوروبا للبحث عن مصادر ابتكار جديدة. شركات محلية أخرى انتهجت الأسلوب نفسه.
وعلى الرغم من أن تغطية الطلب، وتقليل التكلفة التشغيلية، وإدخال تحسينات في المنتج النهائي تعد أسبابا منطقية لهجرة الرساميل، إلا أنها سببت عجزا في ميزان الاستثمارات المباشرة.
ففي عام 2001 بلغ عجز ميزان الاستثمارات المباشرة نحو 14 مليار دولار أمريكي, حيث بلغت الاستثمارات الصادرة نحو 23 مليار دولار أمريكي، بينما بلغت الاستثمارات الواردة نحو تسعة مليارات دولار أمريكي. استمر العجز في اتجاه تصاعدي ولكن بوتيرة أقل حدة.
أدى العجز في ميزان الاستثمارات المباشرة إلى نتائج إيجابية وسلبية, تمثلت النتائج الإيجابية في توجه الإمكانات البشرية الفنلندية، التي طوّرت خلال التسعينيات، إلى التركيز على تطوير تقنيات جديدة يتوقع أن تقود الثورة الثانية لتقنية الاتصالات والمعلومات مع إطلالة العقد المقبل.
تمثلت النتائج السلبية في ارتفاع معدل البطالة من جديد ليتعدى حاجز 12 في المائة وانتقال محكومية الشركات المحلية بشكل تدريجي إلى الشركات الأجنبية.
التجربة الفنلندية في صناعة تقنية المعلومات والاتصالات تحمل درساَ ليس فقط في كيفية تحوَل قاعدة الاقتصاد المحلي من الموارد الطبيعية إلى المعرفة، وإنما في أهمية الاستثمار في الثروة البشرية المحلية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي