ممارسة التضليل – مياه عسير نموذجا
التضليل يعني إخفاء معلومات جوهرية عن متخذ القرار، حيث إنه لو اطلع عليها لتغير قراره. والمسؤولية عن التضليل تتشعب كلما كانت شريحة متخذي القرار أكبر أو أن تأثير القرار الخطأ الذي تم بفعل المعلومات الخاطئة يمتد أثره إلى مجموعة كبيرة من المجتمع. وتصبح القضية أشد تأثيرا إذا كانت تمس نواحي الحياة الأساسية وتبنى عليها قرارات اقتصادية واجتماعية خطيرة.
في منطقة عسير معاناة قديمة اسمها المياه. قديمة قدم تأسيس فرع المياه في عسير قديمة قدم سد أبها وقدم محطات التحلية التي تمد المنطقة بمياهها المحلاة وتمر عبر جبال تهامة الشم. منطقة عسير ذات جغرافية طبيعية صعبة وتوزيع سكاني كثيف. وهي منطقية تعول عليها الدولة كثيرا في صناعة السياحة الوطنية. لذلك لم يكن مستغربا أن تبذل حكومة خادم الحرمين الشريفين الغالي والنفيس من أجل دعم التنمية في هذه المنطقة.
طوابير من الناس تقف ليس لدقائق ولا ساعات وبل أيام تصل أحيانا إلى أسابيع بحثا عن قطرة ماء. منهم من قرر مغادرة المنطقة حتى انتهاء فترة الأشهر الصيفية لتعود المياه إلى مجاريها وتحل الأزمة ليس بإنجاز مشروع عظيم وليس لأنه تم جلب محطات تحليه عائمة بل لأن فترة الصيف انتهت ولا غير.
لقد تعود أبناء عسير على أزمتين للمياه. أزمة الشتاء وأزمة الصيف وفي كل مرة لفرع الوزارة تبرير وقصة. في الشتاء الصيانة للمضخات والأنابيب والأنفاق – ولا بأس في ذلك فتلك الصيانة ضرورية لاستمرار تدفق المياه. في تلك الأيام الصعبة من الشتاء يجب على أبناء عسير ترك وظائفهم والانتظار في صفوف الباحثين عن مياه حتى تضيع الأسماء وتعرف الناس بأرقامها. حتى إذا انتهت شهور الشتاء وانقشعت غمامتها عادت المياه إلى مجاريها بانتظار رحلة الصيف.
يأتي الصيف بأزمة مياه وأعذار مثل سحابة. فمرة لأن الغلايات تحتاج إلى صيانة – لا أعرف لماذا لم يتم صيانتها في الشتاء؟ ومرة لأن الغلايات لا تعمل وفي إحداها عطب خطير. ويتهامس الناس كيف لهذه الغلايات ألا تمدنا في منازلنا ولو جزئيا بالمياه بينما تستطيع ملء الصهاريج 24 ساعة لا تهدأ ولا تستريح. لكن يبدو أن لهذه الغلايات قدرة فائقة على التعرف على اتجاه المياه. فإذا اتجهت نحو الصهاريج انطلقت تغلي وتعمل وإذا اتجهت المياه نحو خزانات التوزيع على الأحياء تعطلت.
أحيانا يخبرنا فرع المياه في عسير أن الهدف من إغلاق الضخ إلى خزانات التوزيع ومنها إلى الأحياء هو تقليل الهدر في المياه. فكان الحل لهذا الهدر أن نحرم الماء ونقف أياما وليالي في انتظار هذه الصهاريج. وهنا أنصح بتعميم تجربة الفرع الرائدة على جميع مدننا الحبيبة وخاصة الرياض وجدة والدمام فهناك الهدر أكبر وعدد السكان أكثر. كما يجب أن تطرح هذه الفكرة الرائدة على هيئة الأمم المتحدة لحل أزمة المياه في الشرق الأوسط. إذا كان هناك هدر في المياه فالحل أن تمنع الناس المياه. ياللعبقري وياللحل.
هذه ممارسة التضليل في مياه عسير، فقبل أن تبدأ الأزمة المزعومة الآن وقبل أن تتعطل الغلايات كانت الاستعدادات على قدم وساق لهذا العطل ثم كان معروف مسبقا أن هذا العطل سينتهي مع أول أيام رمضان. إذا ذهبت وسألت أي موظف متى ستنتهي هذه الأزمة سيخبرك وبكل دقة مع أول أيام رمضان. رائعة هذه الغلايات وتوقيتها.
قبل أن يأتي معالي الوزير في زيارة تفقدية كانت صفوف الانتظار وعبر خدمات الإنترنت تصل إلى سبعة أيام – تخيل سبعة أيام للحصول على الماء - والأرقام بالآلاف. ثم واستجابة لتوجيهات معاليه يحدث تطور دراماتيكي لتهبط وفجأة من سبعة أيام إلى ساعات عدة. لكن الغريب أن الغلايات لم تزل متعطلة والغريب أن أهالي منطقية عسير لم يغادروها بعد ولم يتم توزيع المياه للمنازل عبر الأنابيب ولم تتحول كل سياراتنا إلى صهاريج ولم تجد علينا السماء بماء منهمر فكيف حدث هذا الانخفاض السريع والمفاجئ في صفوف الانتظار. أم أن زيارة معاليه كانت مباركة إلى هذا الحد أم أن فرع الوزارة يمارس التضليل وباحتراف.
لم تدم بركة معاليه كثيرا فعادت صفوف الانتظار أكثر قسوة وأكثر حدة ولم تزل الغلاية معطلة. الأمر الذي جعل الأمير فيصل بن خالد أمير منطقة عسير يعالج القضية بنفسه ويقوم بزيارات مفاجئة لمحطات التوزيع. وأنا متأكد من أن صفوف الانتظار ستنخفض بعد هذه الزيارة إلى درجة كبيرة جدا.
القضية الأكبر بقيت وستبقى طالما يستطيع فرع المياه بعسير أن يطلع على الغيب ويعرف أن الغلاية ستتعطل لمدة ثلاثة أشهر ومع ذلك لم يتخذ أي إجراء حاسم في هذه القضية ويبدأ في الاستعداد لصيانتها. كيف يدعي الفرع أن الغلايات انتهت صلاحيتها وتحتاج إلى تجديد وهو يغلق المياه المحلاة كل شتاء للصيانة ولم يكبد نفسه عناء صيانة هذه الغلايات؟ كيف لهذه الغلايات البريئة أن تبذل قصارى جهدها لضخ المياه بكل هذه الكفاءة والكفاية إلى المنطقة وبشكل متواصل لتظهر لنا الوزارة ممثلة في فرعها وتخبرنا أن المشكلة عدم وجود صهاريج وأنها تسعى إلى التعاقد مع موردين للصهاريج؟ كيف أصبحت مشكلتنا صهاريج وليست غلايات أو أننا نسينا في غمرة الصيف خطوط المياه الموصولة بالمنازل؟ كيف للمضخات أن توصل المياه بكل هذه الكميات التي تحتاج إليها المنطقة وتمد الخزانات الرئيسة بالمياه لتزود الصهاريج بالمياه 24 ساعة بينما لا تستطيع أن تضخها إلى الخزانات الفرعية لتوصلها إلى المنازل, يا لله من هذه الغلايات. بل يا لله من هذا التضليل.
نريد فقط أن تتحمل الوزارة مسؤولياتها وأن يحاسب فرع الوزارة وجميع منسوبي مؤسسة تحلية المياه بعسير عن كل هذا العطل وهذا التجني علينا وعلى الغلايات.