رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تأجير "الثقافة التركية" المنتهية بالتمليك!

[email protected]

جاء في جريدة "الرياض" يوم السبت الماضي 8/8/1429هـ نقلاً عن تقارير صحفية كويتية: "أن عروسين كويتيين قاما بتأجير الفيلا التي صور فيها مسلسل (نور) في تركيا؛ استعداداً لإقامة حفل زواجهما هناك، حيث تم تأجير الفيلا وحديقتها بالكامل لمدة ثلاثة أيام كاملة, هي فترة الاحتفال بالزواج. وقد قام العروسان بتوزيع بطاقات الدعوة المرفق معها تذكرة سفر الكويت ـ إسطنبول ـ الكويت مع الإقامة في فندق 5 نجوم للمدعوين من أهلهما وأصدقائهما، بل إن هناك محاولات حثيثة من قبل العروسين لدعوة (مهند) و(نور) لحضور حفل الزواج، ولم يكشف النقاب عن المبلغ الذي دفع نظير تأجير الفيلا!!"أهـ، هكذا جاء الخبر في الجريدة, استئجار العريس الكويتي للمنزل الذي تم فيه تصوير المسلسل التركي, ليقيم فيه حفل الزواج, وهذا في الحقيقة ليس استئجاراً للمنزل ذاته, لطبيعته العمرانية, فالمنازل الراقية تملأ العالم طولاً وعرضاً, ولكنه استئجار للثقافة التركية"الغربية" ذاتها, تمهيداً لتقمصها, والتطبع بها!! وكيف لا تؤثر هذه الثقافة في طباع الناس وأخلاقهم, وهم يشاهدون حلقاتها, ويعيشون أجواءها, بنهمٍ منقطع النظير, مع تميز في العرض, وتدفق عاطفي (رومانسية) عند اللقاء..., رومانسية - كما يقال - فتنت الألباب, وأخذت بمجامع القلوب, لدرجة أن بعض بني جلدتنا سعى إلى تغيير أسماء أولاده بأسماء بعض الممثلين, ومنهم من حمله الحب والوله إلى زيارة بلادهم, وتقبيل ديارهم, بل بلغ التعلق ببعض هؤلاء المفتونين أن حطوا برحالهم وبأهليهم وذويهم في بيت التمثيل والمونتاج! واسمحوا لي إن تحدثت عن هذا المسلسل مع كوني ممن لم يشاهده - بحمد الله - ولكني ممن قرأ عنه وسمع..., وإذا كان أبلغ ما في هذا المسلسل, هو ما يعيشه فريق التمثيل من (رومانسية), بين بعضهم بعضا, ولا سيما بين الزوجة وزوجها, أو بين الخطيبة وحبيبها, فإن هذا الانبهار في الغالب سببه, غياب هذه (الرومانسية) عن الحياة الزوجية في كثير من البيوت, وسبب ذلك إما الطبيعة الجافة التي تربى فيها الأزواج, أعني الطبيعة الصحراوية التي تجعل قلب الزوج كالحجارة أو أشد قسوة وإما أن يكون سببه التربية الصخرية التي تلقفها من أبيه وأمه, حيث يتعود الطفل منذ نعومة أظفاره على الغلظة والجفاء, ويتلقف هذا الأسلوب من تعامل أبيه مع أمه, حتى نحت في قلب هذا الطفل أن هذه الطريقة المثلى في المعاملة, وأن الزوج لا يكون رجلاً إلا حين يقسو على امرأته, ولا يكون صاحب قوامه إلا حين يضربها, أو حين يمارس ضدها أعنف السلوك, وأسوأ المعاملة!!
وهنا ينكشف السر الذي لأجله تكثر حالات الطلاق, وتزيد نسبها عن الحد الطبيعي, ولو أن الزوج تلقف الهدي النبوي لمحمد، صلى الله عليه وسلم، في أسلوب العشرة الزوجية لانتهت مشاهد العنف ضد الزوجات, ولانحسرت حالات الطلاق, ولتحولت حياة الأزواج إلى سعادة, يحسدهم عليها القريب, ويغبطهم عليها البعيد, ولما سمعنا بهذا الزخم الإعلامي عن هذه المسلسلات التركية, ولما قرأنا عن هذه السلوكيات الغريبة عن مجتمعاتنا, وعاداتنا وتقاليدنا.
ولنسلط الضوء على قدر قليل جداً من (الرومانسية) الزوجية التي كان يتمتع بها خير البرية مع أزواجه ـ رضي الله عنهن وأرضاهن:
ففي مجال الإخبار بمحبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ لزوجته عائشة لم يكن عليه الصلاة والسلام ينزعج من البوح بذلك, بل كان يخبر بذلك بكل وضوح وأريحية, فعن عمرو بن العاص أنه سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت من الرجال؟ قال: أبوها" رواه البخاري.
وفي مجال الملاعبة, فقد كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسابق عائشة, فمرة سبقها, ومرة سبقته, واعتبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر أن ملاعبة الرجل لزوجه من اللهو المندوب, وحيناً كان يقف ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليفسح المجال لعائشة وهي تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد.
وفي مجال الملاطفة, كان يلاطف أزواجه داخل المنزل وخارجه, في السفر والحضر, فمرة جاءته زوجه صفية وهو معتكف في المسجد, فلما أرادت أن ترجع إلى بيتها, أخذ بخاطرها, فقام معها, ورافقها مشيعا ومودعا, ومرة سمع غلاماً اسمه أنجشة, يحدو ببعض أمهات المؤمنين، فاشتد بهن في السياق، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير" رواه البخاري. وطالما كان يوصي بالنساء خيراً, ويقول: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي "رواه الترمذي وابن ماجة.
وفي خاصته مع أزواجه لم يكن يترفع عليهن, بل كان يتلطف معهن, ويبادلهن أقصى درجات العاطفة, وأرقها, وأعذبها, فقد كان يقبِّل عائشة, حتى وهو صائم, ويمزج لعابه بلعابها, حتى على مائدة الطعام, فقد قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما في صحيح مسلم: "كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيضع فاه (فمه) على موضع في (فمي), وأتعرق العرق (العظم المشوب باللحم) وأنا حائض, فيضع فاه على موضع في!!"فما أرق هذه المشاعر الزوجية, وما أجمل هذه العواطف النبوية!! وقد كان العرب ومن قبلهم اليهود, يأنف الواحد منهم عن مخالطة زوجته في حال الحيض, فضلاً عن امتزاج لعابه بلعابها, وكان من حرصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إشعار زوجه بقربه منها, أنه كان يقرأ في حجرها وهي حائض, فعن ميمونة ـ رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخل على إحدانا وهي حائض, فيضع رأسه في حجرها, فيقرأ القرآن" رواه أحمد في مسنده, وفي مسلم نحوه, بل حتى في حال الغسل من الجنابة, فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يتأفف من مخالطة زوجه, ومداعبتها, فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ: "أنها كانت تغتسل مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إناء واحد، فيبادرها وتبادره، حتى يقول لها: دعي لي، وتقول له: دع لي" رواه مسلم.
ومع كثرة أعماله وأشغاله وزوجاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه لم يكن يقصر في زيارتهن, والاطمئنان عليهن, وإعطائهن حقهن من النفقة والمبيت والقسم, فعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال:"كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه, وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس, ثم يدخل على نسائه امرأةً امرأة, يسلم عليهن, ويدعو لهن. فإذا كان يوم إحداهن كان عندها" ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل كان يكون في مهنة أهله, فإذا جاء موعد الصلاة خرج عليه الصلاة والسلام, كما أخبرت بذلك عائشة, وكشفت رضي الله عنها عن صفة هذه المهنة, فقالت: "كان يخيط ثوبه, ويخصف نعله".
بل كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفياً لزوجه, حتى بعد وفاتها, كما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غرت من أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة، وما رأيتها, ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد" رواه البخاري.
وهكذا تبلغ العاطفة والمحبة الصادقة مداها حتى بعد الموت, فلم تكن محبته ورومانسيته ـ صلى الله عليه وسلم ـ تقف عند حد الابتسامات الصفراء, ولا عند حد الضم والتقبيل الذي تدفع إليه الغريزة الجنسية, وحسب, بل كان يمارس الحياة الزوجية بعاطفة صادقة, تتجاوز الحروف والكلمات لتمتزج بالروح والجسد, وتلتقي بالقلب والوجدان, ومن يعرف الهدي النبوي مع أزواجه, فإنه لا يمكن أبداً أن يطرق أبواب الغرب ليلتمس منهم حقوق المرأة, ولا أن يحجز تذكرة ركوب ليتجه شطر الترك ليستنشق عبير الحب, ولا أن يرتحل من بلده ليقيم حفلة عرسه خارج حدود وطنه!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي