اقتصاديات الغذاء: الرياء الغربي
شهدت جنيف قبل أسبوعين اجتماعات حول جولة الدوحة الخاصة بالتجارة في المحاصيل الزراعية. منذ عام 2001 وهذه الجولة في حالة تعثر إثر العناد والرياء الغربي المتمثل في الإصرار على دعم مزارعيه واستغلال الأولية في مكننة الزراعة إلى حد الإخلال باقتصاديات هذا القطاع مقارنة بالدول النامية. يحاول الغرب استغلال الضرائب المفروضة على استيراد المحاصيل الزراعية في الهند والصين ودول نامية أخرى للبحث عن مهرب من مواجهة واقع الدعم غير الاقتصادي لجماعات الضغط الزراعية سياسيا في الدول الغربية. عندما بدأت الجولة قبل سبع سنوات لم يكن الطلب والتضخم في مواد السلع الزراعية بهذه الحدة، لذلك أتت هذه الاجتماعات في ظروف وتوقيت مهمين. تدفع الدول الغربية نحو مليار دولار يوميا دعما للمزارعين الذين دائما ما يدّعون أن دورهم استراتيجي، وأن صناعة الغذاء أمن قومي إلى غيره من الأعذار والحجج. يعاني مئات الملايين الجوع بينما الدول الغربية تناقش وتناور وتمارس الرياء.
حالة التوازن مفقودة حينما يدعم الغرب القطاع الزراعي بهذه المبالغ، إضافة إلى القدرات الفنية والإدارية، بينما المزارع في الدول النامية في صراع، فهو ليس لديه الأراضي الكبيرة التي تساعد في تقليل التكاليف الذي يصاحب كبر حجم المزارع وليس لديه التقنية ولا تستطيع الدول تقديم دعم مالي يماثل الغرب. كذلك تعاني الكثير من الدول النامية زحف المدن على حساب الأراضي الصالحة للزراعة مثل مصر. في ظل حالة عدم التوازن هذه تجد الدول الغربية تطالب هذه الدول برفع القيود التجارية حول استيراد المحاصيل الزراعية. هذه المنافسة غير العادلة تجعل القطاع الزراعي في الدول النامية يضمر ويموت، وبالتالي يؤثر في توفر الغذاء ثم تجد الدول الغربية تصف الدول النامية بأنها ضد حرية التجارة، وهذا بدوره يعوق تطور هذه الدول والتحاقها بالدول المتقدمة.
السبب الرئيسي لهذا الدعم المالي المؤثر اقتصاديا في الدول الغربية هو النفوذ السياسي للوبي القطاع الزراعي. يتركز هذا النفوذ عادة في ولايات ومقاطعات معينة في هذه الدول، حيث حجمها السكاني قليل ولكن دورها السياسي كبير. هذا النفوذ السياسي يجعل الحد من هذا الدعم أمرا صعبا سياسيا. فتجد لوبي زراعة الأرز في اليابان قويا بما لا يتناسب مع أعداد المزارعين، بينما الأرخص ماليا أن تستورد اليابان الأرز من فيتنام أو غيرها.
لعل أهم موضوع اقتصادي يسبب عدم التوازن، وقد يكون سببا رئيسا لعدم تمكن الكثير من الدول النامية من اللحاق بركب التنمية هو سياسة دعم المحاصيل الزراعية في الدول الغربية. الدعم دائما يشوه الاقتصاديات ويسهم في الفساد والإحساس بعدم العدالة. الأحرى بالدول الغربية الكف عن ممارسة الرياء السياسي والأخذ بما يدعون إليه دائما: حرية التجارة الدولية.
تحرير أسواق المحاصيل الزراعية سيسهم في تقليل التكلفة الإجمالية على العالم، ويساعد على توفير الغذاء بأسعار أكثر عقلانية اقتصاديا، ويحد من التضخم والفقر ويعطي الميزة النسبية في التجارة فرصة. إيقاف الدعم الغربي لمئات الآلاف من مزارعيه سيرفع من الحالة الاقتصادية لمئات الملايين من البشر. الحد من الممارسات الخاطئة أفضل من أي مساعدة غربية إلى الكثير من الدول.