الماء والكهرباء .. ثروات مهدرة
ما إن تكون في مجلس إلا وتسمع حديثاً عن أزمة المياه في هذه المدينة أو في هذا الحي، كما أن الكهرباء أصبحت محل حديث في هذا الصيف نظراً لانقطاعها المتكرر عن بعض الأحياء والمدن في مناطق المملكة, وفي كل صيف تمر الأزمة على الناس ويعانون ما يعانون لكنهم بالصبر يتمكنون من تدبير أمورهم بشراء الماء، أو استخدام مولدات كهرباء تؤدي جزءاً من المهمة لكنها لا تفي بالمطلوب من تكييف وتشغيل للأجهزة المنزلية, وخلال هذا الصيف تحدث الكثير، وكتب الكثير عن أزمة المياه في جدة, بوابة مكة المكرمة, كما أن انقطاع الكهرباء لفت الانتباه وتأثرت بانقطاعه المصانع والورش, كما تعطل بعض الأجهزة المنزلية، وكذا المعدات والأجهزة الإنتاجية في المصانع، والمعامل وعانى الناس وتأثرت حياتهم, ما يعني خسارة أصحاب هذه الأجهزة والمعدات سواء كانت أجهزة منزلية أو إنتاجية في المصانع والمعامل, والغريب أن انقطاع الكهرباء لم يستثن شيئاً حتى المدن الصناعية, كما في مصانع الجبيل, حيث توقفت عنها الكهرباء ما أثر في إنتاجية هذه المصانع.
الماء سر الحياة ومن دونه لا يمكن أن توجد حياة لا لإنسان ولا نبات ولا حيوان كما قال تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي), لكن الغريب في الأمر أننا لا ندرك قيمة هذا السائل إلا حينما نفقده، أو يقل وصوله إلى بيوتنا، أو مزارعنا، وحدائقنا, كما أن الكهرباء هي عصب الحياة المعاصرة، ومن دونها تشل حياة الناس سواء في منازلهم أو مصانعهم ومعاملهم، أو في المكاتب أو حتى طرق المواصلات التي تعتمد على الكهرباء, كما في بعض دول العالم، ومع ذلك نتعامل مع الكهرباء بشيء من اللامبالاة، والإسراف سواء على المستوى الفردي، أو على المستوى الرسمي، والمؤسسي. ترى لماذا هذا التجاهل لهذه النعم، وعدم المبالاة بها، والإسراف الذي يفوق الوصف، هل هو جهل بقيمتها، أم لا مبالاة، أم سلوك إسرافي انغرس فينا ولم نعد قادرين على التخلص منه؟! أعتقد أن كل هذه الأسباب تصدق علينا, فالبعض يجهل قيمة نعمتي الماء والكهرباء ولذا يتعامل معهما على هذا الأساس, لأنه لا يدرك كم يكلف إنتاج الماء المحلى من البحر أو المجلوب من الآبار كي يصل إليه في منزله، كما أنه يجهل كم يكلف إنتاج الطاقة الكهربائية، كما أن البعض لا يبالي ولا يقيم وزناً لذلك رغم أنه يعلم تكلفة إنتاج هاتين المادتين نظراً لأنه لا يدفع فاتورتي الكهرباء والماء فإما أن تدفع بالنيابة عنه، أو أنه من الخدم والعاملين الذين يتركون المصابيح مضاءة، والأجهزة تعمل دونما حاجة إلى الإضاءة أو عمل هذه الأجهزة, ما يترتب عليه من هدر وإسراف سواء في الماء أو الكهرباء, التي نستاء أيما استياء عندما تتوقف عنا، ولو لبضع دقائق. أما السبب الثالث فهو السلوك الإسرافي الذي أصبح عادة لدى بعضنا, فهو لا يستمتع إلا حينما يسرف في الماء أو في إضاءة المنزل بكامله بما في ذلك الأماكن التي لا يوجد فيها أحد, فهو يشعر بالارتياح والنشوة بهذا التصرف, وفي ظني أن التعليم والتربية سواء كانت في المنزل أو المدرسة أو وسائل الإعلام، وما يمكن أن تقدمه في هذا الشأن لها دور بارز ومهم في تشكيل هذا السلوك لدينا, إذ إننا لم نعتد منذ الصغر على التوفير وعدم الإسراف, و"من شب على شيء شاب عليه", كما يقول المثل, فالفرد الذي اعتاد الإسراف في الماء، والكهرباء, ولم يسمع من أهله أو معلمه، أو لم يقرأ في منهجه الدراسي ولم يشاهد برنامجاً حوارياً أو فيلماً يتناول هذه القضية يستمرئ هذه الممارسة دونما شعور بتأنيب الضمير الذي ينبهه إلى خطأ هذه الممارسة إذا وقعت منه أو من غيره. ترى من المسؤول, هل الأفراد أو المؤسسات والجهات الرسمية؟ أعتقد أن الأفراد والأسر والجهات الرسمية كلها معنية بهذا الأمر, المرأة راعية في بيت زوجها, فهل نربي بناتنا على هذا الأمر؟ وهل نساؤنا يقمن بهذه المسؤولية المنوطة بهن ويبصرن الأبناء، والبنات والخدم العاملين في المنزل بهذا الشأن، ويردعن من يخالف ويتعمد الإسراف أو أن الحبل متروك على الغارب, كما يقول المثل؟ المؤسسات الرسمية لها نصيبها في هذه المسؤولية بدءاً من المسؤولية التربوية التي يفترض أن تجسد قيمة احترام النعم، والمحافظة عليها وذلك بإحداث المفاهيم، وتشكيل المشاعر، والاتجاهات، وانتهاء ببناء السلوك المناسب الذي يجعل الفرد يتعامل بشيء من المسؤولية مع هاتين النعمتين. لو تأمل أحدنا في محيطه سواء في منزله أو في حيه فسيجد ممارسات إسرافية واضحة من قبل أفراد أسرته أو من قبله هو أو من المؤسسات الرسمية, كم من المياه المهدرة تجري في الشوارع بفعل متعمد, حيث ترى الماء يجري ولأيام طويلة من منزل أو من محبس، أو ماسورة، ولم تجد من يصلحها، وكم من الشوارع المضاءة في عز النهار في الواحدة، أو الثالثة ظهراً في حين أننا في أمس الحاجة إلى توفير هذه الطاقة المهدرة لإيصال الطاقة إلى حي لم تصله الكهرباء أو لنحقق الانتظام في هذه الطاقة.
الجهات المعنية بالماء مثل مصلحة المياه والصرف الصحي، والبلديات والأمانات في المدن هي من الجهات المنوطة بها إدارة، تشغيل، صيانة، ومراقبة هذه الأشياء, ولا أعتقد أن شركة الكهرباء مسؤولة عن إنارة شارع في عز الظهيرة, لذا فالأمانة هي المعنية بهذا الأمر وعليها تقع مسؤولية إهدار هذه الطاقة التي يتمناها بعض أبناء الوطن في مناطق لم تصلها الكهرباء, لأن إنارة الشوارع من مسؤوليات الأمانات والبلديات، كما أن الماء الذي يجري في الشوارع مسؤولية مصلحة المياه التي يفترض فيها ردع من يمارس هذه الممارسات. إن تكامل حسن الإعداد والتنشئة لأبنائنا مع إيجاد الضوابط والأنظمة الرادعة, كفيل بأن يوفر لنا الماء والكهرباء بحيث نتعامل معهما بكل مسؤولية، ودونما إسراف مما يترتب عليه إيصال الكهرباء، والماء للمحتاجين إليها بدلاً من معاناتهم مع الحرارة، والظلام، أو شراء الماء بأغلى الأثمان, وفي هذا تكلفة مضاعفة على الوطن والمواطنين, ولذا فالمواطن والجهات الرسمية كلهم مسؤولون عن هذه الممارسات التي تضر بالجميع وطناً وأفراداً, فهل نعي قيمة هذه النعم ونقدرها حق قدرها قبل أن نفقدها, لا سمح الله؟! وهل يستشعر كل فرد أو مسؤول مسؤوليته في محيطه، ويفكر تفكيراً اقتصادياً يبصره بمقدار ما ينفق من مال يفترض أن يوفره لأمور أخرى؟ وهل نفكر بصورة شمولية، وخارج دائرتنا الصغيرة، ونسأل كم يخسر الاقتصاد الوطني بفعل سلوكنا الإسرافي؟!