الزيادة في عدد السـكان.. رأي مختلف!

[email protected]

أرجو من القارئ الكريم وهو يقرأ هذا المقال ألا يستعجل ويحكم على المقال بأنه رأي يخالف السائد ويســير في الاتجاه المعاكس.
والسبب أن المقال يدعو في المرحلة التي نعيشها إلى زيادة معدلات الســكان في المملكة ولا يدعو ألبتة إلى إنقاصها أو خفضها.
وطبعاً الدعوة إلى زيادة عدد السكان يخالف تماماً الآراء المطروحة بقوة والتي تطالب بإنقاص معدلات الزيادة في عدد السكان التي يقال إنها باتت ترعب المهتمين برفع مستوى معيشة الإنسان السعودي.
ومع الأسف كلما تكالبت مشكلات شح المياه وانقطاع الكهرباء وأطلت أزمة السكن وضاقت الجامعات والمدارس بأبنائها وبناتها وتعرقلت مشاريع الصرف الصحي وزادت شرائح الباطلين عن العمل من الشباب والشابات, أقول كلما تكالبت هذه المشكلات وضغطت على المجتمع فإن كثيرا من الحكوميين التنفيذيين يحملونها على الزيادة في معدلات السكان.
وشخصياً أرى أن هذه المشكلات التي يعانيها المجتمع السعودي هي نتيجة وليست سـبباً للزيادة في عدد السكان, لأن المشكلات التي نعانيها إنما هي إفراز طبيعي للنقص في عدد السكان, وبالذات هي إفراز طبيعي لنقص المهارة ونقص الكفاءات, وبالتالي انخفاض الإنتاجية.
إننا إذا سـألنا عن المبررات التي تطالب بحرص شديد بضرورة خفض معدلات الزيادة في السكان.. نجد أنها مبررات يمكن أن تكون نافعة إذا كانت الأرض تضيق بأهلها, وأما إذا كنا بقعاً بشرية متناثرة هنا وهناك وكانت الكوادر عاجزة عن زيادة معدلات الناتج القومي, فليس أمامنا إلاَ زيادة عدد السكان والعناية بالتدريب والتعليم والارتفاع بالقدرات والخبرات حتى نستطيع زيادة المعروض من العبقريات السعودية في سوق العمل السعودية.
إن القول بأن الزيادة في عدد السكان تضغط على الموارد وتؤثر سلباً في مستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة إلى المجتمع, إنما يأتي هذا في ظل نظرية توماس مالتوس التي تقول ـ في المطلق ـ إن الزيادة في عدد السكان تضغط على الموارد وتلحق أضراراً بالغة بمعدلات التنمية, بل تقول إن الزيادة في عدد السكان عامل من عوامل زيادة معدلات الفقر. ولكن في مواجهة هذه النظرية فقد أثبت العلماء أن نظرية مالتوس لم تعد نظرية صحيحة حيث إن انتشار التكنولوجيا وزيادة المهارات أدت وسـتؤدي بالضرورة إلى زيادة معدلات التنمية وانخفاض معدلات الفقر, والأدلة كثيرة وماثلة, فالزيادة في عدد السكان في كوريا الجنوبية وفي سنغافورة وفي اليابان حتى في الصين والهند لم تكن معيقة للتنمية, بل إن زيادة الانتشار التكنولوجي أدت في الصين والهند أخيرا إلى زيادة ملحوظة في التنمية وفي الثراء.
وفي ضوء ذلك نستطيع القول إن الآثار الديمجرافية تمثل حلقة رئيسة في كثير من تحليلات الاقتصاد الكلي التي تهدف إلى تخفيض الفقر وتحقيق مزيد من النمو, بمعنى أن وجود نسبة مرتفعة من الأفراد في سن العمل يعني أن هناك عدداً أكثر من العمال لكل معال, أو بمعنى آخر أن التغير الديموجرافي على هيكل أعمار السكان يغير نسبة العاملين إلى المعالين, وستترتب على ذلك زيادة في الإنتاج بالنسبة للاستهلاك, وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
إن أبسط ما يجب أن نسنه من سياسات سكانية هو أن نعمل على زيادة معدلات السكان بنسبة تتناسب مع معدلات الناتج الوطني لنحدث التوازن بين الزيادة السنوية في معدلات السكان مع الزيادة السنوية في الناتج المحلي الإجمالي, بحيث إذا وصلت الزيادة في معدلات السكان إلى حد الإضرار بالاقتصاد, فإن تعديل السياسات السكانية شيء مطلوب, ونحن قادرون على تعديلها وإنقاص معدلاتها بالقدر الذي يحقق التساوي مع الناتج الوطني الإجمالي.
ولكن الأهم أن الزيادة في معدلات عدد السكان يجب ألا تكون في المطلق, وإنما مع ضرورة جودة نظم التدريب والتعليم وبناء مؤسسات التدريب والتعليم ومراكز الأبحاث القادرة على تخريج وتأهيل المزيد من المواهب والعبقريات التي تتمتع بكثير من المهارات, وتتمتع بكاريزما الابتكار, وتتمتع بخصائص القيادات التنفيذية الماهرة المتطلعة إلى تطبيق منهج مالي وإداري يستطيع أن يبتكر ويرتفع بمعدلات الأداء والإنتاجية.
صحيح أن القضية ليست أعداداً من المعاهد والكليات ولكن يجب أن نهتم بالكيف قبل أن نهتم بالكم.
ولذلك نؤكد أن أهم المشكلات التي تعترض مســيرتنا التنموية تأتي بسبب النقص في عدد السكان وانخفاض المهارات عند المواطن السعودي, وبالتالي انخفاض الإنتاجية, ولو كان لدى المواطن السعودي مهارات عالية لما وصلت إنتاجيته إلى الحدود الدنيا في مستوى الإنتاجيات في العالم.
والمعروف بداءة أن ثروات الأمم إما ثروات طبيعية وإما ثروات بشرية. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد حبانا بثروة طبيعية وهي البترول التي وضعتنا جنبا إلى جنب مع أغنى دول العالم, ولكن هذا المستوى من الغنى أوضح أن عدد السكان منخفض بالنسبة للثروة والمساحة الجغرافية, ولذلك لماذا لا نضع الخطط الاستراتيجية التي تبني لنا ثروة بشـرية إلى جانب الثروة الطبيعية؟ وإذا نجحنا في بناء الثروة البشرية, فإننا سنكون في الصفوف الأولى بجوار الدول التي حققت أعلى مستويات التقدم كفنلندا وسنغافورة والسويد والنرويج.
إن العلاقة بين معدل الناتج القومي ومعدل الزيادة في عدد السكان.. هي التي يجب أن تحكمنا, وإذا كنا قد حققنا في عام 2007 معدل 7 في المائة في الناتج القومي, كما أشار إلى ذلك أكثر من مصدر رسمي, فإن من المفيد ألا نتضجر من ارتفاع معدل الزيادة في عدد السكان, بل من المفيد أن نشجع الناس على رفع معدلات الزيادة في السكان إلى النسبة نفسها أو قريبا منها, بمعنى يجب ألا نطالب بخفض نسبة الـ 3 في المائة في معدلات الزيادة في السكان, أمَا إذا ربطنا الزيادة في معدلات السكان بالمساحة الجغرافية, فإن عدد السكان يعد قليلاً جدا إلى مساحة المملكة, لأن المملكة قارة ومساحاتها شـاسـعة والسعوديون يسكنون في الأطراف وفي بقع متناثرة في الأودية وفوق الجبال.
إن المساحات التي تحدد حدود المملكة تحتاج منا إلى أن نعنى ـ إلى أبعد مدى ـ بتنمية الموارد البشرية, لأن زيادة الموارد البشرية هي نعمة وليست نقمة, نعمة إذا أمكن تدريبها وتعليمها واستخراج المواهب منها, وهي نقمة إذا كدسناها وعددناها وأغرقناها في الجهل والطغيان.
ولذلك فإنه لا أمل أمامنا في تنفيذ المزيد من مشاريع التنمية المستدامة إلاَ بزيادة عدد السكان, والدليل أنه يعيش بين ظهرانينا أكثر من عشرة ملايين مسـتقدم يقومون بملايين الوظائف الدنيا والعليا, بل إن مؤسسات الأعمال تشكو من عدم وجود البشر وعدم وجود كفاءات سعودية تضطلع بهذه الأعمال وغيرها من الوظائف التي تطلبها سوق العمل السعودية, وهذا دليل قاطع على أن المشكلة لا تكمن في معدلات الزيادة في عدد السكان وإنما تكمن في نقص المهارة التي أدت إلى نقص هائل في الإنتاجية.
والخلاصة أننا في حاجة إلى خطة استراتيجية تتضمن سياسات سكانية وديموجرافية تراعي أهمية الزيادة في معدلات السكان في المرحلة التي نعيشها الآن, بحيث ترتبط بزيادة الناتج الوطني وتوفر ما نحتاج إليه من القوى العاملة اللازمة لتحقيق معدلات أعلى في الناتج الوطني الإجمالي, أمَا أن نطالب بخفض معدلات الزيادة في السكان يقابلها ـ مع الأسـف ـ زيادة مزعجة في معدلات الاســتقدام, فإن الأخطار ستحيق بنا في المستقبل القريب قبل البعيد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي