رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الهيئة العامة للسياحة والآثار ونموذجية صنع القرار

[email protected]

ابدأ مقالي بطرح سؤال قد يبدو للوهلة الأولى سهل الإجابة ولكن في حقيقة الأمر يتطلب التفكير والتمعن، وهو: لماذا الماء الذي هو ضرورة للحياة أرخص من الألماس الأقل منفعة؟! قد يتبادر للذهن أن الماء متوافر بكميات أكثر وبالتالي فان سعره يكون أقل من الألماس. هذا كان تفسير الاقتصاديين التقليديين (الكلاسيكيين)، إلا أن المتأخرين منهم توصلوا إلى تحليل أكثر تفصيلا يعتمد على التمييز بين القيمة الكلية والقيمة الحدية. ويعني ذلك أن المنفعة الكلية للماء أعلى من المنفعة الكلية للألماس، أي لو أن شخصا كان في الصحراء وانقطعت به السبل وخُيِّر بين الماء والألماس، فإنه حتما سيختار الماء، فالأمر يتعلق ببقائه على قيد الحياة. ولكن في حال حصل الشخص على ما يكفيه من الماء لسد احتياجاته الضرورية الحياتية فإن الكميات الإضافية للماء تكون ذات منفعة أقل، بينما نجد أن المنفعة الحدية (المنفعة المضافة) للألماس تكون أكثر بل في تزايد. وينطبق هذا على جميع القرارات سواء كان على مستوى الأفراد بقراراتهم الخاصة أو المجتمع عبر القرارات العامة (الحكومية). وعدم التفريق بين المنفعة الحدية والمنفعة الكلية يؤدي إلى الخلط بين القيمة في الاستخدام والقيمة في التبادل. ولذا يجب على كل صاحب قرار ألا يقارن فقط بين المنافع الكلية للاختيارات المتاحة (بين السلع والخدمات) ولكن بين ما يضيفه كل بديل والتكلفة المتعلقة به. فلو أراد شخص شراء سيارة على سبيل المثال وكان هناك خياران (إذا لم يكن هناك خيارات فإن الأمر لا يتطلب صنع قرار) وإذا كانت إحدى السيارتين أعلى سعرا من الأخرى فيجب ألا يتخذ قراره على أساس الفرق في السعر فقط ولكن يتطلب المقارنة بين منافعهما. فإن كانت المنافع المضافة للسيارة الأعلى سعرا تساوي الفرق بين سعري السيارتين أو أكثر فإنه من الناحية الاقتصادية تكون السيارة الأعلى سعرا أكثر جدوى والعكس صحيح. وهكذا إذا في جميع القرارات يكون التحليل الحدي عنصرا أساسيا في عملية صنع القرار وتحقيق الكفاءة الاقتصادية.
في القطاع الحكومي - الذي لا يعمل من خلال آلية السوق وإنما يعتمد على الإجراء السياسي - يستخدم التحليل الحدي في رفع كفاءة عملية صنع القرار العام. فيعمد إلى المقارنة بين المنافع المضافة لكل مشروع وتكلفته واختيار المشروع الذي يضيف أكبر منفعة اجتماعية بأقل تكلفة. كما يحدد أيضا حجم المشروع الاقتصادي وهو عندما تتساوى المنفعة المضافة لآخر وحدة مع تكلفتها، فلو كان المشروع إنشاء متنزه عام فإن حجمه يتحدد عند آخر هكتار (أو أية وحدة قياس) يتساوى فيه ما يضيفه من منفعة (المنفعة يحددها أصحاب القرار سواء كانوا سياسيين أو بيروقراطيين) مع ما يضيفه من تكلفة. وهنا نلاحظ أن ليس جميع الوحدات متساوية في إنتاجيتها ومنفعتها وهذا يعود إلى قانونين يختص الأول بالاستهلاك "تناقص المنفعة الحدية" والثاني بالإنتاج "تناقص الإنتاجية الحدية" وهو أنه بعد بلوغ مستوى معين من الإنتاج والاستهلاك تتناقص المنفعة والإنتاجية للوحدات الإضافية في المدى القصير.
التحليل الحدي في القرارات مهم جدا في تقييم القرارات العامة وتحديد التكاليف والمخصصات المالية. فلا يكفي أن تتم مقارنة القطاعات المختلفة بما يخصص لها ولكن الأمر يتطلب مقارنة ذلك بالعائد الاجتماعي الذي تسهم فيه في التنمية الوطنية، هذا إضافة إلى استيفاء الحد الأدنى المطلوب للتشغيل والإنتاج بكفاءة في كل قطاع. لكن كيف السبيل لإجراء مثل هذه المقارنات دون توافر المعلومات والبيانات الإحصائية الدقيقة؟ دون معلومات لا يمكن التعرف على البدائل المتاحة والمفاضلة بينها ولا قياس الأداء وإلى أي مدى تم تحقيق الأهداف. قد تكون هناك إحصاءات وخطط في كثير من القطاعات الحكومية إلا أنها في واد والتطبيق في واد آخر، وكأنما الإحصاءات للاستهلاك الإعلامي وإظهار نتائج إيجابية وليس كمدخلات أساسية لعملية صنع القرار العام. لا شك أن ذلك أحد أهم معوقات التنمية الوطنية. فمع ما توليه القيادة السياسية من اهتمام بالغ لتطوير والتنمية إلا أن تحويل تلك الإرادة السياسية إلى مشاريع وخدمات بطيء، كما وقع البيروقراطية وتعقيداتها الروتينية وثقافتها الإدارية التي تدعو إلى الركود وتحقيق الحد الأدنى. كما أن قياس الإنتاجية في كثير من البيروقراطيات العامة يعتمد على العمليات الداخلية والإجراءات الروتينية وليس النتائج والتأثير النهائي على المجتمع. وفي ظل شبه انعدام الشفافية والمعايير الصحيحة للأداء تغط هذه البيروقراطيات في سبات عميق إلى حين توقظها الأزمات والمشكلات المفاجئة. هذه الإدارات الحكومية لا تعتمد قراراتها على تناول القضايا الأساسية مثل التوظيف وزيادة دخول الأفراد وإعادة توزيع الدخل وإنما قد تعمد إلى إقامة مشاريع أو الترخيص لها دون ربطها بالتنمية الاقتصادية ومعالجة هذه القضايا الوطنية الملحة والمهمة. هذا يفسر التناقض بين الإنفاق الحكومي السخي ووجود أو تفاقم ظواهر اجتماعية مثل الفقر والبطالة.
من بين هذه الثقافة البيروقراطية تطل علينا الهيئة العامة للسياحة والآثار بأسلوب جديد وثقافة إدارية تعتمد على المعايير المهنية العالية التي من بينها وضع الخطط والاستراتيجيات بناء على إحصائيات دقيقة ونتائج متوخاة. الفلسفة الإدارية هنا صناعة المستقبل والإعداد للمتغيرات والمستجدات وأحداث التغيير الاجتماعي المطلوب وليس إدارة أزمات والانشغال بإطفاء الحرائق هنا وهناك والانتظار إلى أن تقع الفأس في الرأس. هناك عمل دؤوب عالي المهنية وفي الاتجاه الصحيح، إذ لا يكفي بذل الجهد ولكن ما يقود في نهاية المطاف إلى نتائج مطلوبة اجتماعيا. لذا كان من أهم الإدارات التي أنشئت في الهيئة مركز المعلومات السياحية "ماس". فقد عمل المركز على إعداد ما يسمى "حساب السياحة الفرعي في السعودية" يهدف إلى قياس النشاط السياحي حسب المعايير المعتمدة دوليا، مثل معايير منظمة السياحة العالمية والمكتب الإحصائي للأمم المتحدة. ويهتم بوجه خاص بكل ما يتعلق بالإنفاق والاستهلاك السياحي, وتحديد البيانات المفقودة وغير المتطابقة في نظام الإحصاءات السياحية والإرشاد نحو إيجاد طرق جديدة لتطويرها. ويعد إصدار حساب السياحة الفرعي في فترة لم تتجاوز الثلاث سنوات منذ بدء تطبيق النظام، ويعد ذلك سبقا يسجل للهيئة العامة للسياحة والآثار على المستوى الإقليمي. إذ يستغرق استكمال النظام وإعداد حساب السياحة الفرعي في المتوسط سبع سنوات حسب ما تشير إليه إحصائيات منظمة السياحة العالمية.
إن العقبة الكؤود التي تواجه الهيئة العامة للسياحة والآثار وتحد من تحقيق الطموحات الوطنية وتطوير قطاع السياحة هي الثقافة الإدارية البيروقراطية المتجذرة في معظم الأجهزة الحكومية والفهم القاصر للصلاحيات والإجراءات الإدارية الذي يقود للتحوصل بحيث تصبح الإجراءات جزءا من منظومة القيم الداخلية للموظفين تفتقد الموضوعية والحيادية ولا يفرق بين الدوافع الشخصية والمقاصد الرسمية ليكون أولوية القرار الرسمي تحقيق مصلحة الجهاز الإداري الضيقة بغض النظر عن المصالح العليا. ودون أن تكون هناك ثقافة إدارية مشتركة تعتمد لغة الأرقام والموضوعية والمهنية بين الأجهزة الحكومية ستظل هناك ثغرات عميقة تعرقل العمل الحكومي المشترك وتجعل بعض الأجهزة الإدارية المتطورة تعاني عدم مسايرة تلك التي تقبع في القاع من الحديث بنفس اللغة. الهيئة العامة للسياحة والآثار نموذج إداري متطور لم يستوعب بعد من الكثيرين الذي يستعجلون الأمور ويودون وضع العربة أمام الحصان والقفز على المراحل التطويرية دون دراسة وتخطيط وإعداد مسبق وقرارات مبنية على أرقام تقود إلى نتائج محسوبة ومقصودة وتقود إلى تنمية اقتصادية تعالج الفقر والبطالة وليس مشاريع ضعيفة عوائدها آنية ومحدودة التأثير.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي