السريحي: الوسطية تحولت إلى إرهاب ثقافي عبر إقصاء الطرفين
اجتمع نخبة من مثقفي العاصمة الرياض صباح الخميس الماضي في خميسية الشيخ حمد الجاسر، حول ضيفهم المثير للجدل الدكتور سعيد بن مصلح السريحي صاحب الحضور المميز في المشهد الثقافي السعودي، حيث تحدث في محاضرة عن التطرف والمتطرفين، واعتبره ضربا من الأيديولوجيا يعطل قوى الإنسان ولا سبيل من الوقاية منه؛ لأنه لبس ثوب القانون أو احتمى به.
وشدد الدكتور السريحي على مقاومة التطرف المتجاوز لحدود الفكر، ذاكرا أن حرية الفكر لن تتحقق إلا أتيحت للجميع، وأن الحوار بين مختلف الأطياف يجب أن يكون مفتوحا دون أحكام مسبقة.
وكرر الدكتور السريحي في أكثر من موضع ما يرى أن التطرف ينظر إلى أطياف المجتمع الفكرية الأخرى نظرة دونية، وهذا عائد إلى اعتقاده أن رأيه الحق الذي لا يقبل النقاش ورأي غيره باطل لا دليل عليه، وأضاف: "يغيب في فكر أولئك الاحترام المتبادل في حالة الحوار، حيث لا يهدف الحوار إلى الإقناع، بل إنه يعني أن يتعامل مع الآخرين بنظرة دونية تفترض أن القيم الإنسانية والدينية والانتماءات الوطنية لا تتوافر إلا عندهم، مع أن أي فكر يجب أن يوضع موضع النقاش أو الحوار دون استثناء".
وأكد الدكتور السريحي أن الحوار يواجه مشكلة توظيف النص الديني في خدمة وجهة النظر، بل ووصول الأمر إلى اجتزاء النصوص وبترها ليأخذ النص شكل وطابع الحجة الدامغة، ولم يكن خطاب التطرف حواريا بل كان استعلائيا يصف نفسه بالقدسية، معتقدا أن أطروحاته لا يمكن المساس بها، وأنهم الورثة الفعليين للتراث والنص التاريخي، ومع الأسف أنه فيما يقومون به من اجتزاء النصوص لم يكن التطرف يسعى للاستدلال وإنما للوصول إلى نص مبتور يحقق غاياته. وأضاف السريحي أن المجتمع يعاني عدم الرد على أولئك، وتوضيح الخلل لديهم أكبر من الضرر الذي يلحقهم من جهل الجاهلين بالمشكلة، ثم إن الاستجابة لمطالب الفكر المتطرف والخضوع له يزيد من ممارسة الضغوط ولا يقطعها، خاصة عبر المؤسسات الرسمية التي تسربوا إليها، وتمكنت من إعادة ترتيب صفوفها واستدرجت فئات كبيرة من المجتمع عاطفيا ليقع ضحية لها.
وذكر الدكتور السريحي أن التاريخ كانت له سطوة على الفكر، فأصبح طوق النجاة الذي يتعلقون به، وصار مستقبل الفكر يكمن في ماضيه الذي يتذكره ويفاخر به، مع أن في التاريخ شواهد كانت سلبية، ولم يكن التاريخ ناصعا كما يريد البعض أن يتصوره الجميع.
وعلق الدكتور السريحي على المداخلات، وقد كانت له في النهاية كلمة حول الفكر المتطرف، وكيف أنه قتل نفسه بنفسه حينما تحول إلى المنبر العالي ولبس ثوبا سلطويا وترفعا عن النقاش، ورأى في الختام أن الوسطية تحولت إلى إرهاب ثقافي عبر إقصاء الطرفين، مع أن طفرات الأمم صنعتها أفكار متطرفة في شتى مناحي الحياة، وليس هناك فكر يسلم من المنزلق لو وضع موضع النقاش.
وفي تعليقه على المداخلات رد السريحي على سؤال الدكتور الحازمي بأن أشخاص كثر فصلوا من مدارسهم ووظائفهم التعليمية وأبناء فجروا أنفسهم هم نماذج أقوى وأوضح، وأضاف: "أنا خرجت منها سالما دون "حسافة" على ما فات"، وذكر بأنها قضية مجتمع وليست قضية أفراد بالدرجة الأولى.
وكانت هناك مداخلات عدة مع الدكتور السريحي، تنوعت في أهدافها، حيث عد الدكتور عبد العزيز الهلابي مصطلح الوسطية صعب الضبط، إذاً ليس هناك موقف مؤكد يمكن أن يطلق عليه "الوسطية"، واتفق معه الدكتور عبد العزيز المانع وأضاف: "إن في المجتمع من يعد نفسه من أصحاب الأعراف بالنسبة للفكر، وهم من يرون أنهم في منطقة الوسط فكريا".
وأكد الدكتور مرزوق بن تنباك في مداخلته أن حالات الإقصاء الفكري تتسع وتختفي في دوائر مختلفة، وهي أشد وأقسى أنواع الإقصاء، إذ أنه يتصل بالثقافة التي ينبغي ألا تكون حكرا على أحد، وحدد الدكتور حمزة المزيني مشكلة الفكر المتطرف، بأنه عندما يتسلم السلطة يقع المجتمع ضحية الإقصاء الفكري، مضيفا: "نحن في السنوات الثماني الماضية، نال مجتمعنا نصيبه من الانفتاح، ما حوّل الفكر المتطرف إلى فكر تحت التساؤل باستمرار".
ويرى عبدالله الخضيري أن المملكة تعيش خلال السنوات الماضية أجواء فكرية رائعة، دون سيطرة فكر سوى كتاب الله وسنة رسوله، مؤكدا الحاجة إلى تخفيف أو إزالة التطرف مع تطوير منهج التفكير.