مصرفي تمويل شركات .. استثماري .. ثم دمج واستحواذ!!
تمر الاقتصادات بمراحل من النمو والتطور ترتبط بمتغيرات كثيرة منها الهيكل العام للاقتصاد، التوجه الإقليمي والعالمي للاقتصادات المشابهة التي تمر بنفس مرحلة النمو الاقتصادي، والسياسات الاقتصادية التي تهدف إلى تغيير أو تحسين الوجهة الاقتصادية ومحركات النمو. وتؤثر المرحلة التي يمر بها الاقتصاد في مختلف القطاعات الاقتصادية وأدائها وعلى المؤشرات الاقتصادية الكلية والجزئية أيضاً. فاكتشاف كميات من سلعة طبيعية معينة بكميات تجارية وتيقن صناع القرار إلى جدواها يؤدي لتغيرات في القطاعات الاقتصادية قد تشمل التركيز على التنقيب واستخراج وتصنيع هذه السلعة، ما يؤدي إلى نمو القطاع التصنيعي المرتبط بالسلعة بشكل يتفوق على القطاعات الاقتصادية الأخرى ومزاحمته لها في الحصول على عناصر الإنتاج ممثلة بالتقنية، رأس المال، وعنصر العمل. فعلى سبيل المثال، يتم تركيز عنصر الإنتاج الأول ممثلاً في التقنية على القطاع الهيدروكربوني من خلال محاولة الحصول على آخر التقنيات وتوجيه وإنشاء مراكز الأبحاث لتكثيف الاهتمام بعمليات البحث والتطوير المرتبطة بالقطاع الهيدروكربوني في الدول التي يكتشف بها كميات تجارية من النفط. كما نلاحظ أن عنصر الإنتاج الثاني ممثلاً في الاستثمارات الرأسمالية يتجه إلى الصناعات النفطية المباشرة أو المساندة أو القطاعات المرتبطة بشكل وثيق بالقطاع الهيدروكربوني في هذه الحالة. أما بخصوص عنصر العمل، فإن ديناميكيات سوق العمل تتفاعل مع نمو القطاع الاقتصادي الذي يعتبر محرك الاقتصاد ومحركاً للطلب على العمل بالذات مع وجود تسهيلات الجهات القائمة على التعليم والتدريب تسمح بتوجه كميات أكبر من الخريجين وتوفر عرض العمل للقطاع المحرك، بفرض عدم وجود اختلالات واحتكاكات في آليات سوق العمل. وبأخذ المثال السابق، ولكن في حالة نضوب النفط مثلاً، فإن تحركات الاقتصاد البحريني تعد نموذجاً لتغيرات القطاعات وتجاوب سوق العمل معها، وهو ما يهمنا في هذه المقالة. فمع بداية السبعينيات ونضوب النفط في البحرين، بدأ توجه الاقتصاد البحريني في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات إلى التركيز على قطاعات بديلة بقيادة قطاع الخدمات، وعلى وجه الخصوص قطاع الخدمات المالية الذي يغطي المصارف، الشركات المالية والاستثمارية، وشركات التأمين. وقد كانت المبادرة من جانب صناع القرار الاقتصادي هناك حيث تم تغيير قوانين الاستثمار في قطاع الخدمات المالية والسماح بقيام مصارف وشركات "الأوفشور" التي لا تخضع للمتطلبات التي يفرضها البنك المركزي كالاحتياطي الإلزامي وغير ذلك. وقد آتت سياسة تشجيع قطاع الخدمات المالية أكلها وتجاوبت سوق العمل بتوفير عرض العمل بالكفاءات التي تدربت محلياً في جامعة البحرين التي شهدت نمواً كبيراً لكلية إدارة الأعمال بها والمبتعثين الذين بدأوا باختيار التخصصات أو المواد المرتبطة بقطاع الخدمات المالية، وإن لم يكن يفي بحجم الطلب حينها. هذا العرض العام لتجربة الاقتصاد البحريني يشير إلى التحولات الكلية وتجاوب عنصر العمل مع متطلبات الاقتصاد ونمو القطاعات الاقتصادية، دون أن نخوض في التفاصيل.
وبالانتقال إلى الاقتصاد السعودي، فإن قطاع الخدمات المالية وعلى الخصوص القطاع المصرفي قد شهد تغيرات ضمن القطاع نفسه تشابه التغيرات الكلية التي تم ذكرها في التجربة البحرينية. ولن أتناول هنا التغيرات الكلية المرتبطة بكفاءات القطاع المصرفي التي زادت كماً ونوعاً كما أوضحت في مقالة سابقة بتاريخ 26/7/2008 في هذه الصفحة بعنوان "البنوك الخليجية: نجحت في التوظيف ولكن..."، بل سألقي نظرة على أحد المتغيرات المرتبطة بالطلب الداخلي على كفاءات معينة ضمن القطاع المصرفي. فهيكل قطاع الخدمات المالية السعودي في الثمانينيات والتسعينيات تميز بهيمنة البنوك على عمليات التمويل للقطاع الخاص عموماً، واستمر الحال على ذلك منذ بداية الثمانينيات لنحو 23 عاماً دون بروز منافس للدور التقليدي للبنوك التجارية كمصدر التمويل الأساسي للوحدات الاقتصادية. بناء على ذلك، توجهت معظم الكفاءات السعودية العاملة في مجموعة مصرفية الشركات إلى التخصص واكتساب الخبرات المرتبطة بتمويل الشركات واكتساب أدوات التحليل المالي التي تحتاج إليها أقسام تمويل الشركات والأقسام المساندة والمرتبطة بها، إلى أن وصلت هذه الأقسام في جميع البنوك السعودية إلى ما يشبه نوعا من التوازن لولا التسربات الوظيفية والنمو الكبير في الأعوام الخمسة الماضية. وفي عام 2003، بدأ اهتمام القطاع الخاص باللجوء إلى أساليب تمويل بديلة تنافس التمويل البنكي وعلى رأسها السوق المالية وعمليات الطرح الأولي تزامناً مع التوجه الحكومي لتخصيص عدد من شركات القطاع العام والأنشطة الاقتصادية وطرحها للاكتتاب العام والتداول. كان لهذا التوجه الذي ابتدأ قبل نحو خمسة أعوام أن يخلق فجوة طلب لدى أقسام المصرفية الاستثمارية في البنوك السعودية والذي لا تستطيع سوق العمل التجاوب معها بالسرعة المطلوبة فبدأ التنافس على الكفاءات السعودية المحدودة وتوظيف كفاءات أجنبية للوفاء بمتطلبات هذه الأقسام بجانب توظيف خريجين جدد في أقسام المصرفية الاستثمارية للتدرب على رأس العمل. ولم تنته القصة هنا، فالترخيص لأكثر من 94 بنكا استثماريا وشركة وساطة مالية قد فاقم من حجم فجوة الطلب التي يتم تلبيتها حالياً بطرق مختلفة، قد يكون أبرزها استقدام الكفاءات المطلوبة. المشكلة هنا أن بروز السوق المالية ونموها المطرد كان متوقعاً منذ عام 2004، إلا أن البنوك السعودية – وأخص تلك العاملة منذ فترة – لم تقم بتهيئة برامج التدريب الداخلية التي بإمكانها دعم بعض مصرفيي تمويل الشركات بمهارات المصرفية الاستثمارية أو تدريب أعداد من الخريجين الجدد ضمن برنامج يديره العدد المحدود من منسوبي أقسام المصرفية الاستثمارية بما يضمن توافر العرض المحلي مع تكون فجوة الطلب.
وختاماً، كانت فجوة الطلب المتعلقة بالمتخصصين في المصرفية الاستثمارية واضحة للعيان ومتوقع حدوثها، إلا أن تيقن الكثير إلى سهولة استقدام الكفاءات والخبرات المصرفية حالت دون تحرك البنوك السريع لتأهيل الكفاءات الوطنية لتقوم بهذه المهام. فما هي الكفاءات المقبلة التي سيشتكي البعض من عدم توافرها؟ الكفاءات المقبلة التي ستحتاج إليها أقسام المصرفية الاستثمارية هي المتخصصة في عمليات الدمج والاستحواذ أخذاً في الاعتبار ارتفاع مؤشرات التنافسية في عدد من القطاعات والأنشطة كالتأمين، شركات الوساطة، وشركات القطاع الخاص التي تحاول تغيير نماذج أعمالها بالاعتماد على الإدارات الشابة للتمكن من منافسة المستثمر والمنتج الأجنبي.