سعر تداول سهم "معادن": هل علينا أن نقبّل أيدينا مقلوبة؟
ما زلت أقول إن الاستثمار في سوق الاكتتابات الأولية في المملكة يعد من الاستثمارات الناجحة، وما زلت أنصح بالاكتتاب وخاصة إذا كانت الشركة تطرح بالقيمة الاسمية أو بعلاوة إصدار معقولة جدا أو قريبة من سعر الاكتتاب. إن تشجيع الاستثمار في السوق الأولية قضية وطنية في المقام الأول. فالسوق الأولية للأسهم هي المحرك الحقيقي والداعم الرئيس للاقتصاد ودونها ستتوقف عجلة التنمية الاقتصادية ولا شك، لذلك يجب أن تبذل كل الجهات المسؤولة عن الاقتصاد في بلادنا كل ما تستطيع لحماية هذه السوق ومنع استغلالها من أجل تصريف شركات وهمية, أو أن تقيم شركات بطريقة غير منطقية لأن ذلك سيقلل من استعداد المستثمرين لدخول هذه السوق عن طريق الاكتتاب, وبذلك تفشل الشركات الحقيقية ورجال الأعمال الناجحون في الحصول على تمويل من السوق المالية, وستصبح السوق المالية محرقة حقيقية للاستثمارات, وستفقد عنصر الدماء الجديدة بشكل حاد يؤثر في حياتها وثقة المستثمرين والعالم بها. لذلك يجب أن تولي هيئة السوق المالية اهتمامها الأساسي بهذه السوق ـ أي السوق الأولية ـ وألا تسمح بأي تصريحات تضر بالسوق أو بالمكتتبين بها, وأن تراقب وبشكل جاد ومستمر حركة السهم بعد الإدراج والتصريحات المرافقة لعملية الإدراج وما بعدها حتى لا نضطر مرغمين إلى أن نقبل أيدينا مقلوبة.
عندما تم إدراج سهم "كيان" وهي الشركة القادمة وبقوة إلى سوق البتروكيماويات في أوج ازدهارها تدعمها في ذلك شركات ذات خبرة طويلة في هذه الصناعة إضافة إلى رجال أعمال كبار, توقع معظم صغار المساهمين - ولهم الحق في مثل هذا التوقع - أن يتم تداول السهم بعد إدراجه بسعر يتجاوز 20 ريالا وهو الأمر الذين يعني تحقيق أرباح رأسمالية جيدة هم في حاجة إليها خاصة أنه تم تخصيص عدد جيد من الأسهم لكل مكتتب, كما أن الاكتتاب قد تم بالقيمة الاسمية ودون علاوة إصدار. لكن الذي حدث كان عكس كل التوقعات المتفائلة وتم تداول السهم بسعر 15 ريالا ليهوي بعدها حتى يقترب من سعر الاكتتاب. نتذكر كيف علت الأصوات مستغربة هذا السلوك للسهم عند التداول وكيف أن المساهم الصغير لن يستفيد الكثير من مثل هذا الطرح. التزمت هيئة السوق المالية الصمت لأن السوق حرة وتنافسية وهذا تقييمها لمستقبل السهم والشركة. ظهرت تحليلات عديدة تشير إلى أن كبار المستثمرين ومعهم الصناديق غير متحفزين للسهم نظرا لأن الشركة تحت التأسيس، كما أنه ليس بمقدور أحد تحريك السهم نظرا لكبر حجم الشركة وعدد أسهمها المطروحة للتداول. أتذكر كيف ظهر الرئيس التنفيذي للشركة ليدلي بالعديد من التصريحات. لم يكن مستغربا بعد ذلك أن تبدأ موجات بيع كبيرة على السهم من قبل الصغار ثم لم تمض أشهر قليلة على ذلك الإدراج وعلى تلك التصريحات حتى ارتفع سعر السهم بشكل سريع ومتواصل ليصل ليس إلى 20 ريالا كما كان متوقعا, بل ليتجاوز ذلك ويقفز إلى ما فوق 30 ريالا, فهل فعلا كان على صغار المستثمرين تقبيل أيديهم على البيع السريع أم عضها؟ وهل فعلا لا يستطيع أحد التأثير في سعر السهم لكبر حجم الشركة وعدد الأسهم المطروحة للتداول؟ لم تقف هيئة السوق المالية موقفا منصفا, وهل كان للمدير التنفيذي لأي شركة متداولة الحق في التصريح بعد إدراج السهم؟ هل فعلا أثر مثل ذلك التصريح في قرارات صغار المستثمرين؟
اليوم نقف أمام حالة مماثلة تقريبا وإن كان علينا الانتظار حتى تمر عدة أشهر لنقول إنه قياس مع الفارق. فهذه شركة معادن تطرح جزءا من أسهمها للاكتتاب ولكن بعلاوة إصدار نعتقد أنها معقولة إلى حد كبير فقد تم الاكتتاب بقيمة اسمية عشرة ريالات وعلاوة إصدار عشرة ريالات. ومرة أخرى يتوقع الجميع أن يتم التداول بسعر يقترب من 50 ريالا، لكن المفاجأة أتت مرة أخرى أن تم التداول بسعر أقل من توقعات السوق وهي الزيادة نفسها في السعر التي حققها سعر سهم كيان, ومرة أخرى تبدأ التصريحات من هنا وهناك ومرة أخرى يبدأ السعر بالتراجع ويتعرض السهم لموجة من البيع غير مبررة. فهل علينا أن نقبل أيدينا مقلوبة مرة أخرى ونبيع مع الذين باعوا أم ننتظر حتى لا نقرر بعد أشهر عضها ندما؟ هل نتوقع أن تتدخل هيئة السوق المالية لتستفسر عن أسباب موجات البيع أو نجد منها تحركا نحو مثل هذه التصريحات التي تتضمن توجيه المستمرين نحو قرارات غير مبررة.
لست أتهم أحدا ولا أعتقد أن الرؤساء التنفيذيين قد ضللوا السوق والمستثمر الصغير, بل أعتقد أنهم يتسرعون في التصريح للقنوات الإخبارية والصحف التي تحترف صناعة الأسئلة المثيرة وتلقي بشراكها أمام المسؤول. إن الابتعاد عن التصريح المباشر ضرورة، كما يجب بذل عناية أكبر في صياغة التصريحات والتعليقات لأنها تمثل رسالة خطيرة إلى المستثمرين. وإذا كان كبار المستثمرين والصناديق يمتلكون المهارات لتفسير مثل هذه التصريحات فإن معظم صغار المستثمرين يفتقدونها.