تطبيق معايير الجودة النوعية على الخدمات الحكومية
تسعى المنشآت الإنتاجية باستمرار إلى تعظيم أرباحها. ولن تتمكن المؤسسات الإنتاجية من تحقيق ذلك إلا من خلال ضمان استمرار وجودها في الأسواق ثم التوسع في العمليات الإنتاجية للحصول على الحصص المناسبة فيها. وتثبت المؤسسات الإنتاجية وجودها في حيز جغرافي معين من خلال السعي الدؤوب لكسب رضا العملاء وإقناعهم بأن السلع أو الخدمات المنتجة تتمتع بحد أدنى من الجودة التي تلبي مستوى معيناً من توقعاتهم. ولضمان الحد الأدنى من الجودة لجميع المنتجات تقوم المؤسسات الإنتاجية طواعيةً (أو بقوة القانون) بوضع أو تبني معايير للجودة على منتجاتها. ومرت عمليات التأكد من نوعية المنتجات بعدة مراحل عبر التاريخ. وكانت عمليات الجودة في السابق وقبل الثورة الصناعية تتم من خلال وجود مرجعيات للحرف وبناء وانتشار السمعة الجيدة والثقة بمنتجات أو عمالة معينة. وكانت هذه الأساليب مناسبة لعصر ما قبل الثورة الصناعية بسبب قلة عدد وتنوع السلع والخدمات وانخفاض حجم التبادلات الاقتصادية وبساطة المنتجات. ونتج عن الثورة الصناعية تطور كبير في كميات الإنتاج وتوسع كبير في تنوع السلع والخدمات, إضافة إلى الارتفاع الضخم في حجم التبادلات الاقتصادية, وأدى هذا إلى ضرورة تبني وسائل جديدة للتأكد من جودة المنتجات.
وفي بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كانت عملية التأكد من النوعية تتم بفحص جميع المنتجات بعد انتهاء العمليات الإنتاجية, وهي عملية مكلفة ومنخفضة الكفاءة. وخلال الحرب العالمية الثانية تم تطوير الأساليب الإحصائية لفحص المنتجات، ولكن هذه الأساليب كانت أيضاً غير اقتصادية, حيث يتم بموجبها التخلص من المنتجات غير المطابقة للمواصفات وتعاد إلى المصانع التي تتحمل خسائر كبيرة وتبيعها بأسعار بخسة. وفي الخمسينيات بدأت المصانع تدرك أهمية القيام بالتأكد من مطابقة المواصفات أثناء العملية الإنتاجية وليس بعد انتهائها. ويقوم أسلوب الإدارة الكلية للنوعية على أساس تقسيم الشركة أو المؤسسة إلى عدة منظومات أو وحدات أو أجزاء تتفاعل وتعتمد بعضها على بعض للحصول على منتج معين. ولضمان مستوى معين من جودة المنتجات النهائية فإن على كل منظومة تطبيق الإجراءات والأساليب الإنتاجية السليمة لضمان جودة ما يخصها في العملية الإنتاجية. وهذا يعني أن عملية التأكد من الجودة تتطلب انشغال المؤسسة الإنتاجية بأكملها بعملية الجودة Total Quality Management (TQL) أو ما يسمى الإدارة الكلية للنوعية. وعلى الرغم من إدراك معظم المؤسسات الإنتاجية أهمية أسلوب الإدارة الكلية للنوعية منذ فترة من الزمن، إلا أنها لم تستخدم بشكل واسع إلا في الثمانينيات.
بدأت فكرة تصميم المواصفات الدولية بعد طلب تقدم به المندوب البريطاني في منظمة المواصفات الدولية عام 1979, وتم في ذلك الوقت تشكيل لجنة فنية لتطوير مواصفات جودة للمنتجات. وفي عام 1986 تم إصدار مواصفات نوعية ونشرت عام 1987 كأول مواصفات في سلسلة آيسو 9000. واعتمدت المواصفات في البداية على المواصفات المستخدمة في بريطانيا وكندا وحلف النيتو للتأكد من نوعية المنتجات الصناعية التي كانت تستخدم في تلك المنتجات، ولكن تم تطويرها فيما بعد لتيسير تطبيقها في قطاعات الخدمات. وما زال تطوير مواصفات الجودة النوعية مستمراً إلى الوقت الحالي.
ISO آيسو هو اختصار لمنظمة المواصفات الدولية التي يوجد مقرها في سويسرا. وتصدر المنظمة مواصفات طوعية في جميع مجالات الأعمال والصناعة والتقنية. ومعظم مواصفات آيسو مواصفات تقنية ينتابها كثير من التعقيد. وتحتوي على معايير دقة للتأكد من أن المواد والمنتجات والأساليب والخدمات مناسبة للاستخدامات المقصودة. وتصدر المنظمة الأدلة والنظم والتعريفات. وحتى وقت قريب كانت مواصفات آيسو تختص بالمواصفات الفنية للمواد وتهم المهندسين والفنيين، وتم تطوير مواصفات الجودة من مندوبي الدول المرتبطين بمؤسسات المواصفات والمقاييس في الدول الأعضاء.
ويمكن استخدام معايير آيسو الشاملة للجودة النوعية في أي مؤسسة أو كيان حكومي أو خاص. وتتكون سلسلة معايير آيسو من عدة أجزاء للإرشادات ونماذج للتأكد من النوعية. وتغطي المعايير كل عمليات التصميم والتطوير والإنتاج والتركيب والخدمات. ويمكن استخدام معايير آيسو في القطاعات الحكومية بما في ذلك الحكومات المحلية ومراكز التدريب والأبحاث ومؤسسات الأشغال العامة التي تصمم منتجاتها وخدماتها. كما يمكن استخدام معايير آيسو في المؤسسات التي لا تقوم بعمليات التصميم والتطوير. ويمكن استخدامها مثلاً في الخدمات البريدية، المستشفيات الحكومية، الجمارك أو المؤسسات التعليمية أو حتى بنوك الدم الحكومية.
إن سلسلة مواصفات آيسو المطبقة في الخدمات الحكومية ليست مواصفات لمنتج أو خدمة ولكنها مواصفة لأساليب العمل أو الإنتاج في الإدارات الحكومية. ويهدف استخدام مواصفات آيسو في الخدمات الحكومية إلى التأكد من أن عمليات التصميم والمعالجة والتوزيع تخرج منتجات ذات نوعية تفي باحتياجات المستهلك من المنتج سواءً كان سلعةً أو خدمة. وأثبتت تجارب الدول المطبقة لمواصفات الجودة النوعية في المنتجات والخدمات الحكومية فائدتها في رفع مستويات الخدمات الحكومية وارتفاع مستويات رضا مستهلكي هذه الخدمات، ما يشجع المؤسسات الحكومية كافة على ضرورة النظر في تطبيق مواصفات الجودة النوعية. وسيتم التطرق في المقالات الثلاث المقبلة إلى مراحل تطبيق مواصفات الجودة النوعية على الخدمات الحكومية وفوائد ومعوقات استخدامها وتطبيق معايير الجودة في المملكة.