في مقارنة النخب
في عام 1868 استطاعت اليابان إنهاء عصر الإقطاع وبداية عهد جديد إلى أن وصلت اليابان إلى مصاف الدول المتقدمة, وكأول دولة غير غربية تلحق بالحضارة الغربية. قاد هذا التحول نخبة "الساموراي". تقود اليابان الجديدة طبقة من أبناء النبلاء والإقطاعيين والمهنيين وبعض المثقفين. تغير دور هذه النخبة من قيادة القبائل والأقاليم في حروب عدمية إلى التجارة والصناعة والعلم والتطوير المهني. أخذت هذه النخبة طريق التنمية بالجدية والعزيمة والصدق نفسها. فالكسب الحلال المبني على قيمة مضافة هو ما يبني حضارة, وهذا كان طريق الساموراي الياباني. يقابل ذلك الطريقة الأمريكية التي تشدد على كفاءة جامعات متخصصة لتفريخ القيادات ولكنها لا تنسى أن تتيح الفرصة للمبدع بغض النظر عن لونه أو دينه إذا كان لديه ما يضيفه للمجتمع الأمريكي. وهناك النموذج الفرنسي الذي حدد مركزين علميين لتفريخ القيادة النخبوية لكل المؤسسات المهمة في فرنسا سواء خاصة أو عامة.
هذه نماذج للنخب في دول تختلف ثقافيا ولغويا حتى في طريقة الوصول إلى التنمية. للنخب دور رئيس في قيادة شعوبهم ليس فقط بسبب المال أو القدرات الفنية ولكن بسبب الحاجة إلى دور قيادي ومعنوي والقدوة الحسنة.
في الثقافة العربية نبحث دائما عن القائد الملهم لإنقاذنا وغالبا ما نتناسى دور النخبة الفاعل. أسباب تخلفنا كثيرة ومتشعبة ولكن غياب النخبة المتماسكة الجادة سيبقى دائما أحد هذه الأسباب. دور القيادة والنخبة والعامة وديناميكية الحركة بينهم مجال واسع ومهم. لعلماء الاجتماع فرصة لدراسة وفهم هذه العلاقة في مجتمعنا العربي والسعودي. ولكن كل ما يطمح إليه هذا العمود هو تسليط الضوء على ناحية مهمة في مجتمعنا, فالمراقب اليوم للنخب العربية ـ ومنها السعودية ـ يرى نخبا في قطاعات مختلفة, فهناك نخبة دينية وهناك نخبة لبيوت تجارة وهناك نخبة أكاديمية وهناك نخبة مثقفة وهناك نخبة بيروقراطية وحتى نخبة قبلية. وهذه النخب عبارة عن جزر مستقلة لكل منها منظاره الخاص لمشروع التنمية. تعتقد كل واحدة من هذه النخب أن لديها الحل السحري, لذلك تبقى الدائرة صغيرة والعلاقة مع النخب الأخرى محدودة, بل في صراع أحيانا. فقدان الزخم الجماعي وعدم الاشتراك في المشروع التنموي يضعفان النخبة ويجعلانها في الغالب فريسة المصالح الشخصية وتدريجيا بعيدة عن الأهداف السامية. صراعها دائما على تقسيم الرغيف وليس لتكبير حجمه. المصالح الشخصية وفقدان الرؤية يجعلان من هذه النخب أو أشباه النخب غير مؤهلة لقيادة المجتمع نحو الهدف المنشود. تبقى الشعارات حية هناك وهناك حتى بعض المضامين ولكن الروح النابضة القادرة على توليد وتجديد التيارات اللازمة لدفع العطاء مفقودة.
لن تجد في مجتمعنا اليوم محاولة جادة لإيجاد برنامج تنمية متكامل ولكن محاولات فردية للبحث عن الأفضل في الوظائف والمصالح والتذاكي. فالنخبة بالمعنى العميق والحجم اللازم للبناء لم تختزل الزمان ولم تتغلب على مصالحها الضيقة ولذلك فهي ارتأت تهميش نفسها قبل أن تهمش, ولن يقوم للبرنامج التنموي قائمة ما دامت هذه الجزر النخبوية تقول شيئا وتفعل شيئا آخر.