رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


وثائق التأمين.. الهروب إلى ما لا نهاية!

[email protected]

يبدو أن الحياة لم تعد تضحك كثيراً للناس، فاللطمات التي يتلقاها الإنسان أصبحت قدراً يومياً يعيشـه المواطن، ارتفاعات الأسعار لم تترك سلعة أو خدمة إلاَ وطالتها بأنيابها الكاسرة، وفواتير الكهرباء والتليفونات والمياه ترتفع كاللوغاريتمات، وأنظمة التعليم تشد وثاقها حول رقبة البنين والبنات، وغول البطالة يكشر عن أنيابه أمام كل مواطن يبحث عن رزقه، وأزمات المياه والسلع الغذائية تضرب بقوة كل بيت، وليس قليلاً ما نسمعه أو نقرأه عن المواطنين الذين يذهبون إلى المستشفيات للعلاج فتسـتدعيهم الأسرة البيضاء، إماَ بالانتقال إلى الرفيق الأعلى وإما بالدخول في كومة الأخطاء الطبية.
طبعاً أمام هذه اللطمات التي حاصرت الإنسان, بدأ المواطن يبحث عن حلول ومخارج، فلم يجد أفضل من شركات التأمين التي بدأ أعدادها يتزايد في السوق السعودية، فاندفع كثير من المواطنين نحوها يستغيثون ويستنجدون بها من المشكلات واللطمات، ولكنها للأسف كانت مصيدة تصيد بقايا مدخرات محدودي الدخل، وتضيف جراحاً غائرة إلى جراحاتهم النازفة.
ومن خلال مجموعة كبيرة من الشـواهد التي نستمع إليها يومياً أو نقرأ عنها في الصحف، فإن المواطن السعودي يكاد يكون هو الوحيد الذي يدفع ثمن هروب شركات التأمين من تنفيذ التزاماتها التأمينية المنصوص عنها في وثائق التأمين.
وشركات التأمين لا تعييها الحيلة، فلديها الكثير من المحاسبين الماهرين في وسائل التنصل من تنفيذ مواد وبنود وثائق التأمين، أمَا العقود ففيها من الثغرات ما يسهل للموظفين الحراريف تدبير التنصل والهروب من تسديد المستحقات المكلفين بتسديدها دون وازع من ضمير أو مخافة من الإله، ولذلك نستطيع القول إنه إذا كانت هناك شركات يجب أن تطبق مبادئ الحوكمة، فإن شركات التأمين يجب أن تكون أولى هذه الشركات.
ورغم أن نظام التأمين الصحي استغرق سـنوات طويلة حتى تم إصداره بعد صبر طويل جداً.. إلاً أن تطبيقه بدأ يتعثر منذ ولادته، وهو لا يزال في المراحل الأولى من التطبيق، وطالما أن النظام في المراحل الأولى من التطبيق، فإن على المواطن وحده أن يدفع ثمن حداثة التجربة التأمينية، وطبعاً لا يفترض ــ من وجهة نظر شركات التأمين ــ أن تدفع شركات التأمين جزءا من تكلفة السلبيات، لأن لديها ــ كما ألمحنا ــ محاسبين ومحامين يتقنون فنون اختيار المصطلحات القانونية وتفسيرها حيث يستطيعون في النهاية تبرئة شركات التأمين وتحويل الغرم باتجاه الطرف الثاني، وهو هذا المواطن الضعيف الأعزل.
المشـكلة التي أناقشها هنا تتعلق بالمواطن الأعزل الذي يتعاقد مع شركات التأمين في مجالين شـائعين ومهمين، وهما التأمين ضد حوادث السيارات والتأمين الصحي.
إن التأمين على السيارات وحوادثها شرط أساسي على كل صاحب مركبة، ولذلك يقدر عدد المؤمنين على السيارات بالملايين، كذلك فإن التأمين الصحي أو التأمين على الحياة أصبح ملزماً وقريباً جداً سيصبح ملزماً للجميع (سعوديين ووافدين)، ولذلك فإنه سيدخل خانة يتجاوز بها الملايين من الناس.
بمعنى أننا نناقش هنا مشكلات ملايين المواطنين، وتشهد مراكز الشرطة وساحات المحاكم مئات الآلاف من القضايا التي تشكو من عدم التزام شركات التأمين بتنفيذ التزاماتها التأمينية، فتترك المؤمن عليه أعزل من الغطاء التأميني وحيداً ملزماً بدفع مبالغ لا يستطيع تدبيرها بأي شكل من الأشكال مما يعرضه ــ في كثير من الأحوال ــ لعقوبة السجن أو لعقوبة التوقيف.
وفى هذا الإطار، فإن شركات التأمين لم تنس أن المعلومات التي بين أيديها تؤكد أن حوادث السيارات في المملكة من المعدلات الأعلى في العالم، ولذلك فإنها لكي تضمن الربح وضعت سلسلة من إجراءات التزويغ وعدم الالتزام بالتعويض حتى تصل إلى تحقيق الأرباح والهروب من التورط في الخسائر.
ورغم أن الدولة أصدرت أخيرا مجموعة من التراخيص لعدد من شركات التأمين، فإن هناك العديد من شركات التأمين المرخص لها سابقاً تقوم بتعديل اسمها أو بإعلان التفليسة حتى تصبح غير ملزمة بتسديد التزاماتها المالية.
إن سوق التأمين تعيش أزمة من الأزمات الحادة جداً، فالأنظمة التأمينية للأسف غامضة، أو أنها غير قابلة للتطبيق، أو أن صياغتها ضعيفة وتقبل كل التفســيرات وليس فيها ما يلزم الشركات بالقطع، أو أنها أنظمة تفتقد إلى المرجعية الواضحة.
ولا شك فإن شركات التأمين تســتغل غياب ثقافة التأمين لدى قطاع كبير من المتعاملين، فتلجأ إلى الكثير من الحيل والتهرب من الالتزامات. ولذلك نستطيع القول إن أولى ضحايا شركات التأمين هي المصداقية والأمانة والشفافية والنزاهة.
حكى لى أحد المواطنين تجربته الشخصية مع شركة من شركات التأمين فقال: حينما وقع حادث مروري لسيارتي اتجهت فوراً إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين بدأت تراوغ وتسوف، فلجأت إلى وزارة التجارة والصناعة، وفى وزارة التجارة شعرت أن الشكوى من شركات التأمين عامة وشائعة، ثم ظننت أنني أشدد الخناق على شركة التأمين إذا لجأت أيضاً إلى الغرفة التجارية الصناعية، وأجرت بالفعل الوزارة والغرفة اتصالات غير رسمية مع الشركة، نعم اتصالات غير رسمية، وطالما أنها اتصالات غير رسمية فإنها لن تلقى قبولاً لدى شركة التأمين، ولذلك قيل لى إن المرجع الرسمي لشركات التأمين هي مؤسسة النقد العربي السعودي وليس وزارة التجارة أو الغرف التجارية الصناعية، وإن إيصال القضية إلى المؤسسة يحتاج إلى وقت طويل، ويحتاج إلى أن تسافر إلى المركز الرئيس في العاصمة الرياض وتسلم الشكوى يداً بيد، وهناك تواجهك إجراءات معقدة وإن الخاسر الأكبر في النهاية هو أنت، فخذها من قاصرها وتحمل الغرم وحدك وادفع فاتورة إصلاح السيارة، ثم الجأ إلى أصحاب النخوة والعزوة لتسديد الدية لورثة المتوفى، وبذلك تكون الخسارة في المال فقط وليست الخسارة في المال وفى الوقت وفى الأعصاب وفى الصحة.
وأخيراً نعترف أن مؤسسات المجتمع بدأت تتكامل في الحياة العامة للمجتمع السعودي.. إلاَ أن تجربة التأمين ــ بكل أشكاله وفروعه ــ ما زالت تجربة تعاني القصور والفشل وتحتاج إلى تحرك صارم من الحكومة حتى لا تدخل وظيفة التأمين في قاموس النصب والنهب والتدليس.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي