رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أنظمة عامة.. للحالات الاستثنائية فقط..!!!

[email protected]
تسن القوانين من أجل تنظيم حياة الناس وتقنين العلاقة بينهم وتعزيز السلم والضبط الاجتماعي وحماية للمصلحة العامة وحق الأفراد. ولا نستطيع أن نتخيل مجتمعا دون قوانين عامة تحكمه وتسيره وتجعل أفراده ومؤسساته ينتظمون في نسق متناغم لتحقيق المراد منها بكفاءة وفاعلية. وكلما كانت هذه القوانين موضوعية ومحايدة وواقعية كانت أجدر بالتطبيق والاتباع وتحقيق العدالة؛ المقصد الرئيس من تشريعها. هذا بطبيعة الحال من الناحية النظرية، لأن القوانين مهما بلغت من الدقة والتفصيل لا تستطيع أن تحوي جميع الحالات ولا تشمل جميع الظروف والمتغيرات، وتبقى المسألة نسبية مرتبطة بدرجة تحقيقها للعدالة، الحرية الشخصية، المصلحة العامة، حرية التعبير، الشفافية، الكفاءة، الفاعلية والترابط الاجتماعي. ويجب هنا التأكيد على أن جميع هذه القيم التي يسعى القانون لتحقيقها، إذا لم تكن داخل إطار أخلاقي ديني، فإنها قد تتحول إلى قيم مجردة من المعنى مسلوبة المقصد يتم تطبيقها بطريقة تعود بالمجتمعات لجاهليتها الأولى، إذ إنها تصبح مادية المنطق تؤمن بظاهر الأمر وتسعى لتحقيق المصالح الفردية البحتة دون مراعاة لتبعات ذلك اجتماعيا. هذا أمر مشاهد وملحوظ فمع الاعتراف بالتقدم المادي للحضارة الغربية إلا أن هناك كثيرا من المظاهر الاجتماعية السلبية التي تم تقبلها مؤسسيا واستيعابها نظاميا والتشريع لها. على سبيل المثال باسم ضمان الحرية الشخصية وكفالة حرية التعبير تم إصدار قانون يسمح بزواج المثل أي بين الرجل والرجل والمرأة والمرأة! وهذا ما لا يتفق مع الفطرة السوية ولا بناء المجتمع من خلال لبنته الأساسية "الأسرة"، بل إنه يقوض المجتمع برمته. لقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابط المصالح بين الناس بتمثيل المجتمع كسفينة استهم بها قوم كان بعضهم في أعلاها وآخرون في أسفلها ثم قرر من هم في أسفلها أن يجعلوا ثقبا في السفينة ليصلوا للماء بدلا من طلبه ممن هم على ظهرها، ويفهم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترك الذين يجهلون المصلحة الجماعية في المجتمع وينظرون للأمور من زاوية المنفعة الشخصية الضيقة ولم يؤخذ على أيديهم غرقوا وأغرقوا من معهم! قد يبدو للوهلة الأولى أن إحداث الثقب حل عملي يقلل الجهد والوقت في المدى القصير وتحقيق المصالح الآنية! إلا أن ذلك سيوردهم المهالك على المدى الطويل. ويمكن قياس ذلك على المظاهر السلبية في تلك المجتمعات التي ينتشر فيها شرب المسكرات والعلاقات غير الشرعية والانحلال الخلقي في تفكك العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة والمجتمع بشكل عام. هذا لا يلغي الجوانب الإيجابية في تلك المجتمعات من تحقيق للعدل والمساواة في داخلها فقط (وليس في تعاملها مع المجتمعات الأخرى) وإلا ما يشاهد من تصرفات جاهلية واعتداء صارخ على المجتمعات الأخرى وسلبها حريتها وكرامتها وخيراتها وتحويل العلاقات الدولية إلى قانون الغاب يطبق فيه مبدأ: "حق القوة وليس قوة الحق!" لا يتفق مع ما تدعو إليه من حرية وعدل ومساواة.
لا شك أن لدى هذه المجتمعات الكثير الذي يمكن أن نستفيد منه فيما يحقق لنا التقدم المادي لكن يجب أن يكون ذلك بانتقائية شديدة. ولذلك يجب التصدي لكل أولئك الذين ينادون بالتغريب بتطبيق ما لدى الآخرين تطبيقا أعمى كردة فعل لواقع نعيشه يفتقد كثيرا من المصداقية والموضوعية في تطبيق القانون بل إن بعض القوانين تفتقد الواقعية ولا تحقق المصلحة العليا للمجتمع وتعرقل المشروع التنموي الوطني. الإشكالية فيمن يطرح تطبيق النموذج الغربي بحذافيره يشترط التخلي عن جميع القيم التقليدية والثوابت الوطنية ونقضها من أساسها ويقول بتناقضها وصعوبة اجتماعها مع القيم الغربية! في المقابل نجد من يروج لفكر متحجر وينادي بالتقوقع والانكفاء على الذات ويعرقل أي محاولة للتغيير والتجديد والتطوير والارتقاء بالمجتمع نحو مستوى أعلى من النضج. هذا التفكير الراكد يود للمجتمع أن يبقى ساكنا كالجمادات دون روح ولا حركة ودون التجديد ومقارعة الآخرين ومنافستهم لتتغير الأشياء من حولنا، لنقف متفرجين مسلوبي الإرادة دون أن يكون لنا إسهام إيجابي في تشكيل ما يحدث في العالم.
إن التوقف عن الحركة دون البحث عن أساليب جديدة للحياة وتنظيم المجتمع بما يتفق مع وقعها ومتغيراتها المتسارعة هو في واقع الأمر تراجع وضعف تدريجي، قد لا نحسه ولا ندركه ولا نعيه لكنه حاضر يحدث ببطء حتى نصل إلى حالة الوهن الاجتماعي التي عندها يتوقف كل شيء!
وبين هؤلاء وهؤلاء أصبح لدينا هجين لنظم لا تستجيب لمتطلبات المجتمع. إن محاولة فهم الوضع الراهن للحالة الاجتماعية والتي من بينها القانون العام تكون من خلال تحليل وفهم القوى المشكلة له، إذ إن الوضع الاجتماعي يشكله التوازن بين القوى في البيئة الاجتماعية الدافعة نحو التغيير وتلك القوى التي تعمل في عكس الاتجاه. هناك من يدفع باتجاه التطوير والتغيير والدعوة للاعتراف بأن هناك مطلبا اجتماعيا ملحا لتطوير القانون وأسلوب تطبيقه في إطار الثوابت الوطنية والمصالح العليا، في المقابل فريق آخر يريد إبقاء الأمور على ما هي عليه لأنهم يركنون للمألوف ولا يحبذون أو لا يملكون القدرة للتطوير أو يخافونه. إن المتأمل لبعض الأنظمة والقوانين يجد أنها تصدر على أساس حالات استثنائية على حساب العموم وهذا بلا شك يعطل مصالح كثيرين ويكبدهم المشاق. إن ذلك ضد منطق القانون الذي يصدر من أجل تنظيم الحالات العامة والسائدة فلا قاعدة لاستثناء. إن المنطلق الفلسفي للتبرير لنظام بالاستثناء يأتي من باب سد الذرائع وكأنما لسان الحال يدعو إلى التوقف عن العمل من أجل عدم الوقوع في الخطأ! إن القوانين وضعت من أجل عمل الصحيح وما يحقق المنافع والتقليل من الأضرار ولذا فالقانون هو من أجل الاستعداد لما سيقع أو احتمال وقوعه في المستقبل في أحوال وحركة الناس ليضمن حقوقهم وعدم تعديهم على بعضهم. ولن أخوض في مسائل وقضايا اجتماعية أخذت حيزا كبيرا بل تحولت إلى صراعات لا تخدم المصلحة العليا للوطن مثل قيادة المرأة للسيارة التي هي قضية قانونية أكثر من أي شيء آخر. إن العجز عن وضع وتطوير قوانين تحمي الناس ومصالحهم يفوت الفرصة في إدارة التغيير الاجتماعي والتحكم في المتغيرات والمستجدات بالطريقة والأسلوب الذي يتفق مع قيمنا ومبادئنا وثوابتنا الوطنية. إن مبدأ المنع وتحاشي الخوض في القضايا العامة يدفع نحو وضع قوانين للاستثناء. من بين الأنظمة التي أثارت دهشتي واستغرابي لدرجة لم أصدقها حتى تحققت بنفسي هو أنه لا يسمح للزوج أو الابن الذي يقود سيارة تمتلكها الزوجة أو الأم وهي بصحبته من الخروج بالسيارة من المركز الحدودي! إلا بتفويض منها حتى لو كانت معه! وهذا ينطبق على عديد من الأنظمة والقوانين في كثير من القطاعات الحكومية التي لا تتفق مع الواقع ومصالح كثيرين. لم يعد بالإمكان الاستمرار على قاعدة الاستثناء إذا ما أردنا أن ننجح في مشروعنا التنموي وأن نواجه التحديات الكبيرة التي تحيط بنا من كل حدب وصوب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي