رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ازدواجية تسعير القمح

[email protected]

أوردت صحيفة "الاقتصادية" الغراء خبر توقف كثير من الشركات الزراعية عن توريد القمح لموسم عام 2009. وذكرت الشركات أن سبب توقفها عن توريد القمح يرجع لانخفاض سعر توريد القمح الذي تدفعه المؤسسة العامة لصوامع الغلال ومطاحن الدقيق. وأضافت الشركات أن سعر شراء القمح الذي تقدمه المؤسسة لا يغطي تكاليف الإنتاج المتوقع أن تصل إلى 1400 ريال للطن.
ولا يخفى على أحد خصوصاً المؤسسة العامة لصوامع الغلال الارتفاع الحاد في أسعار القمح خلال الأعوام الماضية، الذي تضاعف عدة مرات. وكان من أكبر أسباب ارتفاع أسعار القمح زيادة تكاليف إنتاجه على المستوى العالمي. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة والمبيدات والبذور والنقل والتخزين، كما ارتفعت على المستوى المحلي تكاليف استقدام وأجور العمالة بوجه عام ومن بينها العمالة الزراعية وأسعار المعدات والآلات الزراعية. ورغم كل الارتفاعات بأسعار مدخلات إنتاج القمح خلال السنوات الماضية، وتغير أسعار القمح العالمية استمرت المؤسسة العامة لصوامع الغلال بتثبيت أسعار شراء القمح المحلي عند مستوى ألف ريال للطن. وإضافة إلى سعر الشراء المتدني الذي تدفعه المؤسسة حالياً للقمح المحلي مقارنةً بالأسعار العالمية، يتذمر المنتجون المحليون من فرض شروط مواصفات نوعية تخفض كميات القمح التي تشتريها المؤسسة.
ومن المستغرب استعداد المؤسسة لدفع الأسعار العالمية للقمح المستورد من الخارج والتي تفوق كثيراً سعر الشراء المحلي، وفي الوقت نفسه الاستمرار في دفع سعر شراء أقل للقمح المحلي. وأعتقد أن سبب التمييز بين أسعار الشراء من المنتجين المحليين والمستورد من الخارج ولصالح المنتجين من الخارج يعود إلى البيروقراطية الحكومية والتي حددت سعراً لشراء الإنتاج المحلي ولم تغير هذا السعر منذ عدة سنوات. وثبتت أسعار شراء الإنتاج المحلي في وقت كانت فيه أسعار الشراء أعلى من الأسعار العالمية. وكان الهدف من ذلك بصورة أساسية ضمان أرباح معقولة للمنتجين المحليين تشجعهم على الاستمرار في الإنتاج عند مستويات الاكتفاء الذاتي. ولكن مع مرور الوقت ارتفعت تكاليف إنتاج القمح وبقي سعر الشراء المحلي على حاله. ونتج عن هذا تدني أسعار الشراء المحلي إلى مستويات تقل عن الأسعار العالمية وحتى تكاليف الإنتاج. وتظهر سياسة التسعير المزدوجة التي تتبعها المؤسسة تثبيطاً للإنتاج المحلي وانحيازاً للاستيراد من الخارج.
لقد كانت الدول الرئيسة المصدرة للحبوب في السابق توجه انتقادات إلى سياسة دعم إنتاج القمح في المملكة المتمثلة بدفع أسعار تفضيلية للمنتجين المحليين مقارنةً بالأسعار العالمية. أما في الوقت الحالي فقد انعكست المسألة وأصبح المنتج المحلي يتذمر من التمييز ضده مقارنةً بالأسعار العالمية. وبموجب أسعار الشراء المحلية أصبح المنتج المحلي يدعم المؤسسة بدلاً مما كان يحدث في السابق وهو تلقيه للدعم. وتظهر هذه الازدواجية في التسعير المؤسسة وكأنها تريد استرجاع الدعم الذي كانت تقدمه في السابق. ولا أعتقد أن هذا هدف المؤسسة وإنما يرجع إلى بطء البيروقراطية الحكومية في التفاعل مع دينامكية تغير الأسعار والتكاليف المستمرة في الأسواق.
لقد كان من الممكن تبرير الاستمرار في تثبيت سعر الشراء المحلي لو كان قريبا من الأسعار العالمية ويحقق أرباحا معقولة للمنتجين. ولكن ارتفاع تكاليف الإنتاج يجبر المنتجين المحليين على التوقف عن الإنتاج عند أسعار الشراء الحالية. وسيؤدي الاستمرار في تثبيت أسعار الشراء المحلية وبصورة سريعة إلى إخراج المملكة من نادي منتجي القمح. فهل هذه سياسة المؤسسة؟ وإذا كانت هذه السياسة المقصودة فلماذا تستمر المؤسسة بإعطاء تراخيص إنتاج القمح؟.
ومن ناحية أخرى، لا تنسجم سياسة الشراء بأقل من تكاليف الإنتاج مع تثبيت أسعار بيع القمح المحلية المنخفضة، حيث إن تثبيت بيع الأسعار المحلية عند مستويات أقل من التكلفة يحرم المنتجين المحليين من الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية وتسويق إنتاجهم عند أسعار تحقق لهم الأرباح في السوق المحلية. ومن جهة أخرى، تقل أسعار شراء الإنتاج المحلي من القمح عن مستويات الدعم المقدم للشعير المستورد والذي يبلغ 1200 ريال للطن. ويغطي دعم الشعير تكاليف شراء الشعير من الخارج، كما يضيف المستوردون أسعار البيع المحلية والتي تصل إلى ما لا يقل عن 500 ريال للطن، مما يضمن لعدد قليل من المستوردين أرباحا مرتفعة ويضر في الوقت نفسه بمنتجي الأعلاف المحلية. وتظهر أسعار شراء الإنتاج المحلي من القمح بأسعار منخفضة ودعم استيراد الشعير المرتفع ازدواجا في المعايير فهل من المقبول دعم أعلاف الماشية بأسعار تفوق أسعار شراء الغذاء الأساسي للبشر؟ وهل يدفع لقلة من المستوردين مبالغ تفوق المدفوع لآلاف المزارعين. وأعتقد كما يعتقد الكثيرون أن من الأولى دفع الأسعار العالمية لمنتجين محليين بدلاً من دفعها لمنتجين في أقاصي البحار.
إن من الضروري سعي المؤسسات الإنتاجية العامة (مثل المؤسسة العامة لصوامع الغلال) للتفاعل السريع مع دينامكية الأسعار والتكاليف. ويمكن لمثل هذه المؤسسات التفاعل من خلال تغيير أنظمة إدارتها، وإعطائها مرونة التجاوب مع تغيرات الأسواق بما تقتضيه المصلحة العامة. وأثبتت التغيرات الكبيرة في أسواق القمح والحبوب خلال السنوات الماضية ضرورة تمكين هذه المؤسسة من التفاعل بصورة سريعة مع الأحداث. وقد أدى بطء البيروقراطية في التجاوب مع المتغيرات إلى تفاقم وبروز بعض الأزمات، والتي تمثلت في حدوث نقص في إمدادات القمح والدقيق وكذلك في تراجع إنتاج القمح المحلي وانخفاض أسعار الشراء لمستويات لا يقبلها المنتجون. ويتعرض تثبيت أسعار شراء أو دعم المواد المنتجة محلياً وحتى المستوردة لهزات تغير الأسعار السريعة، والتي تؤدي إلى انخفاض أو تلاشي فاعلية الدعم أو دفع أرباح فاحشة من خزانة الدولة. ومن الممكن التغلب على هذه المعضلة باستخدام نظام أسعار مرن، يسمح بإضافة هوامش سعرية إلى أسعار السلع في أسواق السلع العالمية. على أن تضمن هذه الهوامش أرباحا معقولة للمنتجين أو المستوردين مما سييسر من تدفق السلع إلى الأسواق ويقتصد في تكاليف الدعم المقدم من الدولة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي