رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


متى تنافس السعودية في سوق السياحة العالمية؟

[email protected]

قبيل أسابيع قليلة أســعدنا وأفرحنا الأمير سلطان بن سلمان الأمين العام للهيئة العامة للسـياحة والآثار، حينما فجر خبراً مفاده، إن لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو اعتمدت موقع الحجر (مدائن صالح)ـ ضـمن قائمة التراث العالمي التي تضم أكثر من 158 موقعاً ثقافياً وطبيعياً ذات قيمة استثنائية للتراث الإنساني.
هنا نسـتطيع أن نقول إذا كان البترول ثروة ناضبة، فإن ثروة الآثار التي تكتنزها أراضينا المباركة ثروة غير ناضبة.. ثروة مستمرة ودائمة، ولذلك حتى تظل هذه البلاد المقدسة دولة تنعم بالخيرات والثروات حتى بعد عصر البترول وإلى ما شاء الله، فإن الأمر يحتاج إلى اهتمام واسع بتوقير الآثار وتكريم التراث، لأن المنافسة في السوق العالمية للسياحة لم تترك الأمور للعفويات التي ندير بها ثرواتنا التراثية، فإذا كانت أراضينا تنعم بآثار الحضارات الخالدة، ولدينا تراث يعبر عن الحضارات التي سادت ثم بادت في أرض الجزيرة العربية، فإن الكثير من الدول تنعم أيضاً بآثار حضارات غابرة ضاربة في أعماق التاريخ الإنساني البعيد. ولذلك فإن التنافس بيننا وبينهم على أشده.
إن الأمين العام للهيئة وهو من الكفاءات السعودية التي نفخر بها.. يجب أن يجد المساعدة من كل مسؤول ومن كل مواطن سعودي كل حسب موقعه ـ قرباً أو بعداً - من الثروة التراثية التي تمتلكها بلادنا، ويجب ألا نترك أمين عام الهيئة وحيداً يغرد في الأطلال، بل يجب أن يلمس الأمير المتحمس أن كل مواطن سعودي يقف معه لتطوير ثروة تراثية تحتاج إلى استثمارات تتجاوز مليارات المليارات من الريالات، وتحتاج - قبل ذلك - إلى جهود بشـرية خارقة.
يقول أمين عام هيئة الآثار بعد أن أعلن اعتماد موقع الحجر ضمن قائمة التراث العالمي: إن هذا الحدث اللافت يمثل إقراراً عالمياً بالقيمة التاريخية الكبيرة لهذا الموقع الأثري العالمي وإبرازاً للمكانة التاريخية للمملكة وما تزخر به من إرث حضاري كبير، وقال سموه إن المملكة قدمت في ملف الترشيح خطة متكاملة لإدارة الموقع وحمايته وتأهيله، وشرعت الهيئة في تنفيذ ذلك على أرض الواقع، وأضاف سموه إن المملكة تملك من المقومات الحضارية والتاريخية ما يستوجب نقل هذه الثقافة والحضارة إلى العالم والتفاعل مع كل الحضارات العالمية لكي تصبح المملكة مساهماً رئيساً في بناء الحضارات الإنسانية.
وحينما يصرح الأمير بهذه الكلمات المعبرة، فإنني أكاد أستمع إلى صوت الفرحة الغامرة وهي تصدح وتتعالى في أعماق الأمير الذي أنهكه الجهد حتى استطاع أن يخطف هذا الاعتراف العالمي. ولذلك فإن الفرحة تكاد لا تسعه وهو يعلن بأن الهيئة سترشح موقعين آخرين لضمهما لقائمة التراث العالمي، وهما مشروع تطوير الدرعية ومشروع تطوير المنطقة التاريخية لمدينة جدة.
ورغم أن هذا الكلام جميل من سمو الأمين العام لهيئة الآثار، إلاَ أن الواضح أننا لم نأخذ مشاريع تقديم موروثنا الحضاري إلى العالم مأخذ الجد إلاَ متأخرين، بل إننا مازلنا ننظر إلى السياحة من زاوية الكازينو والمطعم والفرجة والترفيه، ولم نهتم بالبُعد الحضاري والثقافي غير الاستهلاكي، وهو البعد الرئيسي الذي تقوم عليه السياحة العالمية العصرية.
وهنا تثار نقطة مهمة وهي أن الفائدة الأهم من الانضمام إلى لائحة التراث العالمي هي دخولنا في جماعة دولية تقدر وتهتم بالممتلكات الأثرية العالمية، لإيمانها بأنها تجسد نموذجاً بارزاً للتنوع الثقافي في تاريخ التعددية البشرية، يُضاف إلى ذلك أن تسجيل المواقع الأثرية في لائحة التراث العالمي يلزم المنظمة الدولية بتوفير أي احتياج أو مساعدة قد نحتاجها لإصلاح الأضرار التي قد تنجم عن أي كارثة طارئة، كما أن خبراء الآثار العالميين ملزمون بتقديم المساعدات والتدريبات الفنية لكوادر الدولة العضو في المنظمة الدولية.
ولعلها مناسبة طيبة أن نشـيد بالجهود التي بذلت من قبل كافة السعوديين لاختيار (واحة الأحساء) ضمن عجائب الطبيعة السبع في العالم، ولكن كنا ننتظر من الهيئة العامة للآثار جهوداً أكبر كي تفوز أو - على الأقل - تحقق واحة الأحساء مرتبة أكثر تقدماً في المنافسة على أحد المراكز السبع على مستوى العالم.
إن بلاداً فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة بآثارهما الإسلامية الخالدة، وفيها اليمامة بمضاربها الثرية، وفيها واحات الأحساء، وأسواق العرب، وجبال السودة وقرى الباحة.. لا يمكن أن تكون كل هذه الكنوز من الآثار بعيدة عن قائمة التراث العالمي.
ولنكن أكثر صراحة أن بلادنا فيها إمكانيات تراثية ضخمة، حتى الآن لم نضع هذه الصروح الآثارية في قالبها الثقافي الدولي، ونذكر - على سبيل المثال - إن الاهتمام بالآثار في مدينة جدة التاريخية ما زال مؤجلاً، بينما اهتمامنا بالكورنيش والمطاعم على طول الساحل يسبق اهتمامنا بمشروع تأهيل المناطق التاريخية للدخول في قائمة التراث العالمي والإنساني.
ويؤسـفنا جداً أن نحيل مشاريع تأهيل المناطق التاريخية والأثرية إلى البلديات التي تعاني أمراض البيروقراطية والفساد الإداري والمالي، ولا نحيل هذه المشاريع مباشرة لصاحبة الشأن الهيئة العامة للآثار.
ولذلك إذا كنا قد بدأنا نهتم بالسياحة في إطار أماكن الترفيه، فإن السـياحة الدولية تهتم أكثر بالبُعد الثقافي والحضاري، وهذا البعد يحتاج إلى استثمارات هائلة، بمعنى أننا يجب أن نبادر بالدخول في نواميس السياحة الدولية، بل يجب أن نضع الخطط القصيرة والطويلة الأمد ونعتمد الأموال اللازمة بسخاء لتطوير تراثنا الحضاري، ونسعى بكل الهمم لتسجيل المزيد من المناطق الأثرية في المنظمة الدولية حتى نقول للعالم، إن لدينا الكثير من الصروح الحضارية التي تضارع صروح الآثار والحضارات العالمية الأخرى.
إن المنافسة بين الدول على جذب الســائح لم تعد أمراً سـهلاً، بل أصبحت المنافسة على استقطاب السياح في سوق السياحة العالمية شديدة وقوية، فالسياحة ليست تمشيات وفسحا فحسب، بل هي صناعة وتسويق ومنافسة عالمية ضارية، ونعرف أن موارد السياحة لدى كثير من الدول في أوروبا وفي منطقتنا العربية.. تعد المورد الرئيسي لدخلها القومي، ونحن بدورنا يجب أن نسعى لكي تكون إيرادات السياحة مورداً من الموارد الرئيسية لدخلنا الوطني.
وأقول دون رياء يجب أن نغتنم فرصة وجود الأمير سلطان بن سلمان على رأس هذا الجهاز ونعطيه ما يحتاج من دعم مالي وإداري وأدبي حتى يستطيع أن ينفذ أكبر قدر من مشاريع كنوزنا الآثارية، كذلك فإننا يجب أن نغتنم فرصة الوفرة المالية ونعتمد تنفيذ أكبر قدر من المشاريع الحضارية التي نأمل أن تضعنا في قلب المنافسة في سوق السياحة العالمية.
إن الاهتمام بالاستثمار في ثرواتنا الأثرية يعد خياراً استراتيجياً ووطنياً، لأن المواطن السعودي الذي يعيش في هذه الأيام وسط سلسلة من الأزمات الاقتصادية.. بات يسأل عن وضعه الاقتصادي بعد عصر البترول، أصبح يهم المواطن السعودي أن يعرف إلى أين سيأخذه اقتصاده الوطني بعد انتهاء عصر الزيت، هل سيعود القهقرى فقيراً إلى حيث كان قبل عصر البترول، أم أن هناك ثروات أخرى سوف ينعم بها لتحافظ على مستواه الاقتصادي البترولي؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي