رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ظاهرة الفوضى المرورية.. قصور ثقافي وقانوني!

[email protected]

تنبئ المشاهدات اليومية لتصرفات كثيرين في استخدام الطرق والشوارع عن حالة  ثقافية يمكن وصفها بأنها غير حضارية ولا تنسجم مع معايير السلامة والقيادة الآمنة. هناك فوضى عارمة يسيطر فيها قانون الغاب وهو تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة أو الجماعية فمعظم مستخدمي الطريق يرون فيه ساحة مفتوحة على مصراعيها للتحدي والتنافس في السيطرة على الطريق والتصرف كيفما شاء يبلغ حد التعدي على سلامة الآخرين وتخويفهم وإيذائهم. هناك من أصبحت هوايته الدخول في سباقات محمومة على الطرقات داخل المدينة حتى في الأزقة الضيقة، والبحث المستميت في أن يكون أول الصفوف على الرغم من اكتظاظها بأرتال طويلة من المركبات عند إشارات المرور. لقد تكون لدى البعض ثقافة أن تجاوز القوانين يعبر عن الرجولة والشجاعة والإقدام وعدم التخاذل! لم يعد الأمر مقتصرا على الأحداث والشباب ممن لم يبلغوا مرحلة النضج ومازال لديهم شيء من الطيش بل يشمل جميع الفئات العمرية ومكونات المجتمع من المواطنين والمقيمين. إنها ثقافة الفوضى المرورية التي تجتاح المجتمع  لتتحول إلى مألوف لا يكاد يستنكره أحد أو يداخلهم الخجل والحياء من هذه التصرفات غير العقلانية. القلة القليلة تقف مشدوهة أمام هذه التصرفات الحمقاء غير الحضارية وتجعلهم في حيرة وارتباك في كيفية استخدام الطريق مع من لا يشتركون معهم في تطبيق  القانون المروري نفسه وكأنهم مخلوقات غريبة قدمت من كوكب آخر!
لا شك أن هذه التصرفات تنم عن عدم احترام القانون وعدم إدراك المصلحة أو المنفعة العامة التي لا تتأتى إلا من خلال النظرة الجماعية المشتركة. فالبعض يرى في اتباع القوانين تقييدا للحرية بل يسيطر عليهم هاجس أنه يجوز له ما لا يجوز لغيره! إنها الأنانية وضيق الأفق التي تمنع من إدراك المصلحة العامة. وإلا ما تفسير أن يسمع الجميع صفارة الإسعاف أو الدفاع المدني مدوية ولا يفسح لها المجال ويظل الجميع مصرا على موقفة خوفا من أن يتقدم عليه الآخرون أو يخسر الجولة لمصلحتهم! لو فكر كل واحد من أولئك في أن سيارة الإسعاف تحاول الوصول بأسرع وقت لإنقاذ شخص عزيز عليه أو في أن سيارة المطافئ تسابق الزمن من أجل الوصول إلى مسكنهم أو متجرهم لإطفاء حريق لما توانوا عن إفساح الطريق. الكل في الطريق يقول "نفسي نفسي" دون رادع أخلاقي من عند أنفسهم أو قانون صارم يطبق عليهم يمنعهم التمادي في طغيانهم وجهلهم على الآخرين.
إنها ظاهرة اجتماعية مرضية وعدوى تنتقل بين مستخدمي الطريق كاشتعال النار في الهشيم. إنه من العجيب أن تحدث هذه الفوضى العارمة في الطرق والأماكن العامة في مجتمع إسلامي يحثه دينه على الخلق الكريم والصبر والبذل والعطاء ومعاملة الناس بالحسنى. إنه الفهم الخاطئ للقيم والمعاني الحضارية للإسلام أو عدم ممارستها. إن ما يحدث على الطريق من ممارسات خاطئة هو مخالفة لتعاليم الشرع لأن فيها تخويفا للآخرين وتعريضهم للمخاطر وأخذ ما ليس بحق وربما أودى بحياتهم. أين نحن من إكرام المسلم لأخيه المسلم؟! أين نحن من إماطة الأذى عن الطريق؟ فكيف بمن يكون هو الأذى بعينه! المصيبة الكبرى في أن هذه الفوضوية تعطي صورة خاطئة وانطباعا سيئا عن الإسلام عند الآخرين ليكون ذلك عاملا في تنفيرهم منه والتفكير وصدهم عن الدخول فيه. إن هذه السلوكيات الخاطئة على الطرق من المنكر الذي يجب محاربته والتصدي له بكل قوة وعزم فالمسألة لم تعد تعديا على حقوق الأفراد وحالات استثنائية بل هي تعد صارخ على الحق العام، إذ إن هذه الفوضى المرورية لها تبعات سلبية ونتائج وخيمة على المجتمع برمته فمن فقدان الخبرات الشابة في الحوادث المرورية إلى تعطيل الأعمال والتقليل من الإنتاجية إلى تكاليف الصيانة والإصلاح جراء الحوادث والتلوث البيئي، هذا إضافة إلى إظهار المجتمع بصورة غير حضارية تفقدنا احترام الآخرين. 
إن الظواهر المرورية السلبية ترجع في أساسها إلى عدم احترام القانون. السؤال إذا: لماذا لا يحترم؟! هناك أسباب كثيرة ومتعددة يأتي في مقدمتها عدم تطبيقه أو بشكل أدق عدم تطبيقه بالعدل والمساواة بين الجميع، ما يترك المجال للتفكير لدى البعض في أن هناك فرصة للإفلات منه بطريقة أو بأخرى. الأمر الآخر وهو متعلق بالنقطة السابقة في أن طريقة تطبيق القانون في الغالب غير مهنية واحترافية من قبل رجال المرور، فبعضهم يعدم الثقافة القانونية في التعامل مع مستخدمي الطريق، وهو ما يمكن ملاحظته في طريقة الحديث ونقاشهم مع مستخدمي الطريق فبدلا من أن يكون من منطلق قانوني محايد وموضوعي صرف تجد أنه يلجأ لأسلوب يطغى عليه الحديث الشخصي حتى لا يخلو من التهكم أو الازدراء أو المزاح أو طلب معلومات شخصية جدا ليس لها علاقة بالمخالفة! وما يزيد الطين بلة أن بعض رجال المرور ذاتهم هم ممن يخالف القانون إما بقطع الإشارة الحمراء أو افتقار مركباتهم لمعايير السلامة أو القيادة بذات الطريقة المتهورة وغير القانونية! بل إنهم في بعض الأحيان لا يملكون الأدوات اللازمة فيعمدون على سبيل المثال إلى رسم كيفية وقوع الحادث على قصاصة بالية لعلبة مناديل ورق أو ما شابهها. كل هذه الأمور وغيرها تشير إلى أن هذا ليس عملا مهنيا ولكنه قصور فضيع وبالتالي يتولد لدى البعض فكرة عدم أخذ القوانين والأنظمة بجدية وتقدير.
إن ما يجب عمله ابتداء هو النظر إلى رجل المرور كرجل قانون في المقام الأول وبالتالي يتطلب ذلك  تثقيفه في النواحي القانونية على أقل تقدير في الحصول على دبلوم سنتين كحد أدنى لممارسة المهنة. التأكيد على تطبيق القانون بكل حزم وموضوعية وفي الوقت ذاته مراعاة واحترام حقوق الأفراد وكرامتهم وحريتهم الشخصية. ما يحدث في الغالب اجتهادات شخصية في التعامل مع العموم تعكس الميول الشخصية لرجل المرور وثقافته. وهذا ينطبق إلى حد بعيد على هيئته وهندامه وأسلوب قيادته والعناية بالمركبة الرسمية، بل قد لا يكون من المبالغة حتى في طريقته تطبيق القانون بتفاوت وانتقائية.
لقد وصل الوضع المروري مستوى لا يتوافق مع التطور الاقتصادي والحضري واتساع المدن. ومع أنه ليس من المنطق والعدل إلقاء كامل اللائمة على جهاز المرور لأنه يتداخل في الأزمة المرورية عدة جهات حكومية، إلا أنه يظل بلا شك جهازا يتحمل العبء الأكبر. ما يجب عمله في المدى القصير هو إعادة تثقيف العموم فيما يتعلق بأنظمة الطريق خاصة في حالات الطوارئ عند محاولة سيارات الإسعاف والمطافئ المرور وضرورة إفساح المجال بالتوقف جانبا وإيقاع عقوبات رادعة على المخالفين لأن الأمر يتعلق بحياة الناس وسلامتهم. إن ما يزيد من حدة المشكلة هو تزايد أعداد مستخدمي الطريق بمعدل يفوق زيادة أعداد رجال المرور ومستوى كفاءتهم. من هنا قد يكون من بين الحلول غير المباشرة تقليل عدد المركبات في الطرق بتشجيع الانتقال الجماعي، بتخصيص مسار على الطرق السريعة في أوقات معينة. أما في المدى الطويل فقد يكون الحل في إنشاء وسائل نقل جماعي مثل قطار الأنفاق. ومع هذا يبقى تثقيف العموم أمرا في غاية الأهمية عبر وسائل الإعلام والمدارس والجامعات وأماكن العمل وإشراك جميع الأطراف في محاولة جادة نحو وضع حد لهذا التردي للثقافة المرورية، إضافة إلى تطبيق صارم للقوانين دون هوادة وعلى الجميع دون استثناء. ويبقى التساؤل الأهم: هل يأتي اليوم الذي يتصرف فيه مستخدمو الطريق بالأسلوب الحضاري والقانوني نفسه وهم خارج الوطن؟ أما لماذا الانضباط في الخارج؟ فالإجابة تكمن في.. احترام القانون لأنه يحترمهم ويطبق بمهنية عالية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي