المنافسة والاحتكار في سوق المراجعة
تواجه سوق المراجعة في معظم دول العالم نوعا من المنافسة الاحتكارية, وذلك لتركز السوق concentrated market بيد عدد محدود من مكاتب المراجعة الكبرى تسمى Big4. ففي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي كان هناك ثمانية مكاتب, ومع نهاية القرن وصلت إلى خمسة والآن أصبحت أربعة فقط, وكأن أسواق المراجعة شيئا فشيئا تصبح أكثر احتكارية. هذه المكاتب تسيطر على أكثر من 70 في المائة من حجم السوق الأمريكية والبريطانية مقاسه بإيرادات السوق. بمعنى آخر, فإن أكثر من 70 في المائة من أتعاب المراجعة, إنما تؤول لهذه المكاتب. هذا الوضع يهدد سوق المراجعة بشكل كبير فانحسار التنافسية بين أربعة مكاتب فقط قد يشكل تهديدا على جودة الخدمات التي تقدمها المهنة للسوق المالية. فالمكاتب الأخرى, ونظرا لسيطرة الكبار على السوق, قد تضطر إلى تخفيض أتعاب المراجعة لكسب العميل, الأمر الذي يجبرها على تخفيض تكلفة عملية المراجعة بتقليل عدد المراجعين الضروريين, وتقليل عدد الساعات, وبالتالي عدم القيام ببعض إجراءات المراجعة وقبول نسبة مخاطر أعلى. كما أن العديد من مكاتب المراجعة سيقدم على تخفيض الأتعاب في سنة التعاقد الأولى, وذلك لكسب عملية المراجعة على أمل أن يقدم للعميل خدمات أخرى بخلاف المراجعة تمكنه من تعويض الفروق. أضف إلى هذا أن الشركات تقرأ سوق المراجعة بحرص شديد لتقتنص فرصة القيام بعملية تسوق الرأي وتبحث عن مراجع يقدم لها التقرير الذي ترغب فيه. كل هذا يؤثر في سوق المراجعة وبالتأكيد سيؤثر في استقلال المهنة, وهو أمر به تحيا وبه تموت. ونظرا لهذه المخاطر فإن الهيئات العالمية تسعى إلى تعزيز المنافسة في السوق وتصدر تقارير سنوية عن التغيرات التي تطرأ على الهيكلية التنافسية فيها.
والسوق السعودية ليست في أحسن حال من مثيلاتها, وإن احتضنت هيئة متطورة. فالمملكة تنبهت منذ زمن لظاهر التركيز في سوق المراجعة وأهمية تعزيز المنافسة فيها، لذلك قامت بإصدار عدد من القرارات المهمة وأهمها القرار الوزاري رقم 903, الذي يعتمد أن تقوم الشركة بتغيير المراجع بعد مضي ثلاث سنوات، ولكنه برغم قوته قد وضع مخرجا للشركات بأن استثني الشركة التي تعين أكثر من مراجع فلا تضطر إلى تغييرهم إلا بعد خمس سنوات، كما يجوز لها بعد ذلك الإبقاء على أي منهم. وكان يمكن لهذا الإجراء أن يعزز المنافسة لولا ذلك الاستثناء فقد استطاعت الشركات أن تنفذ من تلك الثغرة بأن تعين مراجعا لمدة ثلاث سنوات ثم تعين مراجعا آخر معه لمدة سنتين لتعود مرة أخرى, وتتخلص من المراجع الأخير وتبقى على مراجعها المفضل.
من جانب آخر ولترشيد قرارات اختيار المراجع أصدرت وزارة التجارة تعميما إرشاديا يعزز دور لجنة المراجعة، حيث تقوم بترشيح خمسة مراجعين ولكن مرة أخرى تضع الوزارة منفذا للشركات كي تخرج منه عندما اشترطت أن يكون الاختيار بناء على شرط وجود خبرة سابقة في شركات مماثلة, وهذا الشرط بلا شك سيقلص الخيارات أمام الشركات وهذا بدورة سيؤثر في مستوى التنافسية. ويبدو أنه وفي كل مرة تسعى وزارة التجارة إلى دعم التنافسية تظهر يد آدم سميث الخفية لتؤثر في القرار.
كل هذه الأهمية لفهم هيكل سوق المراجعة وتأثيراتها الخطيرة في السوق المالية ككل ومع ذلك تبقى المعلومات المتوافرة عن حجم المنافسة غير متاحة إلا للقليل من الدارسين. فبينما تشير آخر إحصائية قدمتها الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين قبل أكثر من سبع سنوات إلى أن 80 في المائة من حجم السوق السعودية مركزة بيد 11 مكتبا، وهي نسبة تركيز عالية, وإن كانت بالتأكيد أفضل من مثيلاتها العالمية إلا أن هذه المعلومة قديمة وقد تغيرت السوق السعودية كثيرا بعد ذلك، حيث انهار مكتب أرثر أندرسن وتمكن مكتب KPMG ومكتب DT من دخول السوق السعودية. حاليا هناك عدد من الدراسات التي أشارت إلى أن 51 في المائة من حجم سوق مراجعة الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية مركزة بيد الأربعة الكبار إذا قيس حجم السوق بعدد الشركات، ولكن هذه النسبة قد ترتفع، إذا ما قيست السوق بإيرادات مكاتب المراجعة، حيث من الملاحظ أن الشركات المساهمة الكبيرة, التي تدفع أتعابا كبيرة نسبيا هي بيد المكاتب الأربعة الكبار فإن نسبة التركيز قد تتجاوز 70 في المائة, وهو أمر خطير على السوق بلا شك. لذلك نحتاج إلى تقديم نشرات دورية عن هيكل سوق المراجعة, وكم هي نسبة التدوير في السوق. نحتاج هذه المعلومات لتتوافر على موقع السوق المالية "تداول" ضمن نشراتها السنوية. نحتاج إلى معرفة حجم السوق من حيث الأتعاب, ومن حيث أحجام الشركات. باختصار نريد أن نعرف من هو مراجع السوق السعودية المفضل. وإذا عرفنا كل هذا فهل سيتدخل مجلس الشورى لدعم قرارات وزارة التجارة وسد ثغراتها؟ وهل ستقوم هيئة السوق المالية بممارسة تأثير أكبر في سوق المراجعة؟