الرقابـة.. تحتاج إلى رقابـة!!
بمراجعة سـريعة عن إنجازات المؤسسات المسـؤولة عن الرقابة في الحكومة.. نجد أن مجلس الشـورى فقط هو الذي حقق ــ في الآونة الأخيرة ــ إنجازات جيدة وغير مسبوقة.
وعلى الرغم من أننا نطالب هيئة الرقابة والتحقيق بضرورة القيام بأعمال رقابية معلنة ومشـهَر بأصحابها، إلا أننا ننتقد ديوان المراقبة العامة الذي لا يزال يعوَل على بعض المقولات المسطحة التي عفا عليها الزمن ولم يعد لها وجود في عالم الرقابة المتطور على المستويين الدولي والمحلي.
إن الدولة لم تبخل على برامج التنمية وتعتمد في كل يوم بل تعتمد في كل ساعة.. الكثير من المشاريع والبرامج، ولكن معدلات تنفيذ مشـاريع الدولة ـ للأسف ـ تتراجع، والبيروقراطية، بكل مثالبها تفرد عضلاتها على كل مشـروع وتفرض تعقيداتها فتوقف المشاريع لأتفه الأسـباب.
أقول مرة أخرى إن معدل تنفيذ المشاريع الحكومية ينخفض بشـكل جعل الحكومة تصدر نظاماً لقياس الأداء الحكومي، وهذا شيء رائع وواجب التنفيذ، وعلى أجهزة الرقابة السعودية أن تعيش المرحلة وأن تكون في مناخ الرقابة التي أصبحت جزءاً مهما من أجهزة الرقابة الدولية.
من المؤسف حقاً أن المؤسسات الحكومية لم تحقق مركزاً مشــرفاً على قائمة الدول التي تطبق الشــفافية، ويسـجل معدل الفسـاد الإداري والمالي درجات تحرج كل السـعوديين، وكذلك فإننا على قائمة التنافسية الدولية لم نكن في المقدمة كما كنا نعتقد ونتمنى، وقس على ذلك ترتيب جامعاتنا، حيث إن كل الجامعات السعودية 18 لم تكن ضمن أفضل 500 جامعة على مسـتوى العالم.
نقول مرة أخرى إن من أهم أسباب انخفاض مستوى تنفيذ المشاريع الحكومية هو غياب الرقابة الإدارية والمالية، ونؤكد أن مشاريع الدولة سـتتراجع طالما أن الرقابة غائبة، أو ــ على الأقل ــ أن الرقابة لم تقم بواجبها، وإذا كانت الحياة فرص فإننا يجب أن نغتنم فرصة زيادة أسعار البترول ونقوم بتنفيذ أكبر قدر من مشـاريع التنمية الشـاملة، لأننا لا نعلم ما يخبئه القدر لأســعار البترول وما يخبئه القدر للأسواق العالمية التي تتحرك في هذه الأيام من أزمة إلى أزمة أكثر حدة.. أزمة في الغذاء، أزمة في المياه، أزمة غلاء، أزمة طاقة.
دعونا نتساءل: ما الأسـباب التي تجعلنا لا نكون ضمن أحسن الدول في تطبيق الشفافية والنزاهة، وأزعم أنه لا يوجد مبرر واحد لا يجعلنا نطبق كل مبادئ الحوكمة، فالدولة تصرف على التعليم والتدريب أموالاً طائلة بهدف تخريج الكفاءات القادرة على تنفيذ الأعمال والبرامج، كما أن الدولة وكل السعوديين يدينون بالدين الإسلامي الحنيف الذي يفرض على كل مسلم ومسلمة أن يتقى الله فيما يعمل ويقدم لحكومته وأمتـه.
إذن، ما الأسباب التي تجعل المملكة لا تحقق مركزاً متقدماً على قائمة الشفافية والنزاهة والتنافسية الدولية، ثم ما الأسباب التي تجعل معدل تنفيذ المشاريع الحكومية يتراجع ويجعل إمارة مثل إمارة مكة المكرمة تنشئ إدارة لعلاج أسباب انخفاض معدلات تنفيذ المشاريع الحكومية، بل ويجعل الحكومة تقلق من ظاهرة انخفاض معدلات تنفيذ المشاريع الحكومية، فتسارع وتصدر نظاماً لقياس الأداء لمعرفة المؤسسات المنتجة من المؤسسات غير المنتجة.
إن معدلات تنفيذ بناء المدارس الحكومية التي اعتمدت أخيرا في الميزانيات الحكومية، ومعدلات بناء المستشفيات والمراكز الصحية، ومعدلات بناء الجامعات، ومعدلات بناء الطرق والكباري والسدود.. تعانى انخفاضا ملحوظا، وأخذ (الوقت) الذي أصبح ــ عند كثير من علماء الاقتصاد ــ عنصراً من أهم عناصر الإنتاج يضــيع، وتضيع معه أحسن الفرص المتاحة.
ننبه أجهزة الرقابة، وبالذات ديوان المراقبة العامة الذي يتنصل من مسؤولياته ويردد بعض الكلمات غير المقبولة جملة وتفصيلاً، أنه لا توجد رقابة من الأول ورقابة من الآخر، فالرقابة هي الرقابة بنص نظام ديوان المراقبة العامة، والاسم الذي يحمله الديوان جامع مانع، أي أن الديوان هو المراقب العام على كل أجهزة الدولة من البداية حتى النهاية، وإذا فرط الديوان في مسؤولياته فإن الديوان نفسه يجب أن يحاسب على تفريطه في أداء وظائفه الرئيسة، بل أكثر من هذا فإن واجب ديوان المراقبة العامة أن يعلن على الملأ كل أنواع الفســاد، بل من واجبه أن يعلن أسماء المفسدين بالأسماء والألقاب، أمَا أن يتحجج بحجج واهية ويتنصل من أهم وظائفه فإن الديوان يضع نفسه في موضع المساءلة والتحقيق.
ولذلك فإنني أتمنى من كل مؤسسات الرقابة في المملكة أن تتعاون لمحاسبة ومساءلة المسؤولين الحكوميين الذين يطلقون التصريحات الإعلامية الرنانة عند الاحتفال بتدشين المشاريع أو عند الاحتفال بانتهاء تنفيذ المشاريع، وطبعاً في الحالتين، فإن كثيراً من المسؤولين يغتنمون فرصة وجود حشد من الإعلاميين في مثل هذه الاحتفالات ويطلقون التصريحات النارية إياها التي تنطوي على كثير من المبالغات لتظهرهم لدى الجهات الأعلى والأسمى أنهم الحادبون على علاج مشكلات المواطنين!!
ونذكر ــ على سبيل المثال ــ أن آخر التصريحات المجلجلة هو التصريح الذي أطلقه محافظ مؤسسة تحلية المياه المالحة الأستاذ فهيد الشريف الذي قال عقب تدشين باخرة التحلية في الشعيبة إن جدة ستنسى أزمة المياه من الآن وحتى 25 عاماً مقبلة، ولكن إرادة الصدق أعلنت عن أكبر أزمة مائية تتعرض لها جدة بعد يوم واحد من التصريح الشهير وقبل أن يجف حبر الصحف التي نشرت الخبر، ومازالت جدة تعيش أزمة التصريحات المائية المجلجلة وأزمة مياه حادة وطاحنة!!
إننا نتمنى على مجلس الشورى أن يواصل أعماله المجيدة ويلح على طلب وزير المياه والكهرباء للمثول أمام المجلس الموقر لتقديم تفسير لما صرح به في المجلس قبل أربعة أشهر عن الخطط التي تنفذها الوزارة للقضاء على مشكلة المياه والصرف الصحي في مدينة جدة وفي جميع مدن وقرى المملكة. إن وزارة المياه صرحت مراراً أن فاقد المياه كبير بسبب اهتراء شبكة التوزيع والسؤال: لماذا لم تباشر الوزارة في إصلاح الشبكة طالما أنها ــ منذ عشر سنوات ــ تقدر الفاقد بنحو35 في المائة، ولا سيما أن أزمة المياه سـتشـتد حدة في رمضان، ثم تبلغ قمة الأزمة في شهر الحج، وســتظل المشكلة في البيروقراطية والبيروقراطيين الذين يقفون خلف تعطيل المشاريع والأعمال.
ندعو الله سبحانه وتعالى أن يكون في عون حكومتنا الرشيدة التي اعتمدت كل الأموال من أجل خير البلاد والعباد، ولكن المعاناة لا تحلها إلاَ الرقابة الجيدة التي تردع كل من يتسبب في إبطاء تقدمنا ونمونا.