أسعار النفط المرتفعة: هل نحن السبب؟
لو كانت هناك طاقة إنتاجية فائضة تتجاوز خمسة ملايين برميل يوميا من النوع الذي يتناسب مع عمليات التكرير في أنحاء العالم، هل ترتفع الأسعار بهذا الشكل؟ في هذه الحالة لن يتكلم أحد عن الزيادة في الطلب، وسينعدم حافز المضاربة. أما بالنسبة للعوامل السياسية، فكما حصل في الماضي، ستقوم هذه الطاقة الفائضة بتغطية النقص.
الزيادة في الطلب
هل يمكن لوم الزيادة في الطلب على النفط على ارتفاع أسعاره إلى مستوياته الحالية؟ الإجابة ليست بهذه السهولة للأسباب التالية:
1- انخفض الطلب في الفترات الأخيرة ولكن أسعار النفط استمرت في الارتفاع. فإذا لم يكن الطلب هو المسؤول، هل المشكلة مشكلة إمدادات إذا؟ قد يقول البعض إنها المضاربات، والرد على ذلك موجود أدناه.
2- المشكلة على المدى الطويل ليست مشكلة طلب، وإنما مشكلة إمدادات! السعر يتحدد حسب العرض والطلب، ويمكن للسعر أن ينخفض حتى مع زيادة الطلب إذا زاد العرض بشكل كبير، وتجربة النصف الثاني من حقبة الثمانينيات والتسعينيات دليل على ذلك حيث زاد الطلب وانخفضت الأسعار. إذا نظرنا إلى المواد المصنعة لوجدنا أن الزيادات الكبيرة في الطلب خلال العقود الماضية أدت إلى تخفيض أسعارها بشكل كبير لأن زيادة الطلب أسهمت في إنتاجها على نطاق واسع، فخفّض ذلك تكاليف إنتاجها. هذا يعني أن ردة فعل المعروض على الزيادة في الطلب مهمة جدا لتفسير السعر. في عالم النفط، يمكن لارتفاع الطلب على النفط أن يرفع الأسعار، ولكن على المدى القصير فقط. لا يمكن لوم الطلب على المدى الطويل لأنه من المفروض أن يزيد الإنتاج وتنخفض الأسعار.
3- من الطبيعي أن يزيد الطلب على أي سلعة مع زيادة عدد السكان وارتفاع الدخول. تشير البيانات إلى أن أي زيادة في الدخل في الدول النامية تؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك الطاقة. وتشير البيانات إلى أن هذه الزيادة نهائية لا يمكن التراجع عنها إلا بشكل بسيط، ولفترة زمنية محدودة. مثلا، ارتفاع أسعار الطاقة لن يجعل الشخص الهندي الذي اشترى بيتا جديدا مكيفاً وفيه ثلاجة وتلفزيون يعود إلى ما كان عليه من قبل ليعيش عيشة بدائية في قريته النائية، ولن يتخلص من المكيف أو الثلاجة أو التلفزيون. ولا يمكن لوم هذا الهندي على زيادة طلبه على الطاقة لأن هذا من حقه مثلما هو حق الإنسان الأمريكي والأوروبي والخليجي وغيرهم.
4- الطريقة التي ننظر بها إلى الزيادة في الطلب خاطئة، الأمر الذي يسّهل لومنا للآخرين على ارتفاع أسعار النفط. فالطريقة الحالية مبنية على قياس الزيادة في الطلب في كل دولة، وبذلك يسهل لوم الصين أو الهند أو الولايات المتحدة. ولكن لومنا لهؤلاء ينقلب علينا لأننا لو حسبنا الزيادة في الطلب بشكل صحيح لوجدنا أن العرب بشكل عام، والخليجيين بشكل خاص، مسؤولين أيضا عن الزيادة في استهلاك النفط في كل من الصين والهند والولايات المتحدة. حتى نقارن استهلاكنا للطاقة باستهلاك الآخرين، علينا أن نحذف الطاقة المستخدمة في تصنيع الصادرات. وإذا فعلنا ذلك، نجد أن الخليجيين أكثر الناس استخداماً للطاقة في العالم من جهة، وأكثر الناس تلويثا للبيئة من جهة أخرى! بالإضافة إلى ذلك، فإنه سواء نظرنا إلى الأمر بطريقة الحساب الحالية أو الطريقة المذكورة أعلاه نجد أن نمو الطلب على الطاقة في دول الخليج من أعلى المعدلات في العالم. ما سبق ليس مجرد رأي، وإنما نتائج لدراسات.
5- بعض الزيادة في الطلب على النفط في كل من الهند والصين هو طلب محول لأنه نتج عن نقل الشركات الغربية والشرقية إلى هذين البلدين خلال السنوات الماضية. هذا الانتقال جعل الفجوة في نمو الطلب على النفط بين البلاد الأم لهذه الشركات ونمو الطلب على الطاقة في الهند والصين كبيرة، الأمر الذي أعطى انطباعا خاطئا عن وضع الطلب العالمي للنفط. خلاصة الأمر أنه لو تم تعديل أرقام نمو الطلب العالمي بناء على الصادرات لوجدنا أن "لوم" الآخرين سينقلب علينا!
المضاربون
في الأسبوع قبل الماضي انخفضت المضاربات بشكل كبير، ومع ذلك ارتفعت أسعار النفط بنحو أربعة دولارات للبرميل. إذا كان المضاربون هم السبب، لماذا لم تنخفض الأسعار؟ أليس من المفروض أن تنخفض الأسعار مع انسحاب المضاربين بأكثر من 40 دولارا للبرميل كما يدعي البعض؟ قد يحتج البعض بتضاعف عقود المضاربة خلال السنوات الأخيرة، ولكن على هؤلاء شرح سبب تضاعف الأسعار من 70 دولارا إلى 140 دولارا رغم بقاء عدد العقود نفسه. قد يحتج البعض بنسبة العقود مقارنة بالتداولات اليومية، ولكن هذه المقارنة خاطئة لأن العقود شهرية وليست يومية. وكما ذكر في مقال سابق فإن البيانات تشير إلى عدم انخفاض أسعار النفط في فترات متعددة انسحب فيها المضاربون من السوق، وإلى شراء المضاربين لعقود سلع استمرت أسعارها بالانخفاض! أما الذين يقولون إنه لا يمكن الاعتماد على البيانات المنشورة لأن هناك عقودا تتم بطرق معينة لا يتم تسجيلها، فإن هذه حجة عليهم لا لهم لسببين، الأول أنه ليست لديهم البيانات التي يدعون أنها حقيقية، والثانية أنهم عندما يطالبون بزيادة الشفافية في البيانات، فإن للطرف الآخر الحق بأن يطالبهم بالشفافية في بيانات الإنتاج والاحتياطيات. بعبارة أخرى، إن مطالبتنا للولايات المتحدة وغيرها بزيادة الشفافية في الأسواق المالية سينقلب علينا!
حتى لو افترضنا أن للمضاربات دورا كبيرا في رفع أسعار النفط، هل يعقل أن يتم استثمار مليارات الدولارات في عقود نفطية في وقت ينخفض فيه الطلب على النفط؟ هل المضاربون أغبياء؟ أم أن هذا يعني أن المضاربين يعتقدون أنه لن تكون هناك إمدادات كافية حتى لو انخفض الطلب على النفط؟ إذا كان الأمر كذلك، أين هي المشكلة إذا؟ هل هي المضاربات؟ خلاصة الأمر أنه لو تم إعدام كل مضارب، فإن أسعار النفط لن تتغير كثيرا عن مستوياتها التي هي عليها.
العوامل السياسية
لو نظرنا إلى أسعار النفط خلال 35 سنة الماضية لوجدنا أن العوامل السياسية موجودة سواء كانت أسعار النفط منخفضة أم مرتفعة. ويمكن تقسيم العوامل السياسية المؤثرة في أسعار النفط إلى نوعين، الأول النوع الذي يؤثر في الطاقة الإنتاجية، وهذا يلقي بظلاله على أسواق النفط لفترات طويلة. ومثال ذلك الحرب العراقية الإيرانية وغزو الكويت وحرق آبارها النفطية، والحصار الاقتصادي على العراق ثم الاجتياح الأمريكي للعراق. الثاني هو الذي يؤثر في الإنتاج دون التأثير في الطاقة الإنتاجية، وهذا النوع يؤثر في أسعار النفط في المدى القصير، ربما سويعات أو أيام فقط. مثال ذلك إضرابات عمال النفط وتفجير المنشآت والأنابيب التي يمكن إصلاحها بسرعة.
علينا أن نتذكر أن حربا طاحنة استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران أدت إلى خسارة العالم لملايين البراميل من الإنتاج يوميا، ومع ذلك استمرت الأسعار بالانخفاض حتى وصلت إلى أقل من 10 دولارات للبرميل. حتى مع الغزو الصدّامي للكويت وخسارة العالم 4.5 مليون برميل يوميا، تضاعفت أسعار النفط، ولكنها لم ترتفع بمقدار 14 ضعفا كما حدث خلال السنوات التسع الماضية. انهار الاتحاد السوفيتي، أكبر منتج للنفط في العالم في ذلك الوقت، وانهار إنتاجه معه، ومع ذلك لم ترتفع الأسعار. لماذا لم ترتفع الأسعار بشكل كبير رغم هذه الأحداث المهمة؟ لماذا لم ترتفع والأسواق المستقبلية موجودة؟ خلاصة الأمر أن القلاقل السياسية لن تؤثر في أسعار النط وترفعها على المدى الطويل إلا إذا خفّضت الطاقة الإنتاجية.
الخلاصة
ارتفاع أسعار النفط إلى 147 دولارا للبرميل يوم الجمعة الماضي هو نتيجة طبيعية لأساسيات السوق. هناك نقص في الإمدادات وليست هناك طاقة إنتاجية فائضة تذكر. من أهم القواعد الاقتصادية أن العجز لا يوجد في أي سوق إلا إذا حددت الحكومات الأسعار بأقل من سعر السوق، لذلك لن يظهر أي عجز في السوق حتى لو وصلت أسعار النفط إلى ألف دولار للبرميل.
في ظل "لا ثقافة نفطية بدون فكر" التي ذُكِرتْ في المقالين الماضيين، علينا أن ننتبه إلى أن الحجج التي نسوقها للدفاع عن أنفسنا واتهام الآخرين قد تنقلب علينا. كل ما علينا هو أن نحسب كمية الطاقة المستخدمة في المواد التي نستوردها لندرك أن الخليجيين من أكبر المستهلكين للطاقة في العالم، ولكنها تظهر في أرقام الصينيين والهنود والأمريكيين وغيرهم. نعم، استهلاكنا أحد أسباب ارتفاع أسعار النفط. وللحديث بقية.