ملابس الموتى تباع في "ابن قاسم" على أنها جديدة وهي تحمل فطريات تنقل "الجرب"

ملابس الموتى تباع في "ابن قاسم" على أنها جديدة وهي تحمل فطريات تنقل "الجرب"

باتت تجارة "ثياب المتوفين" تجد رواجا في حراج "ابن قاسم"، الذي يعد من أكثر أسواق العاصمة في تنوع النشاطات التجارية، وعلى الرغم من أن هذه الملبوسات قد تسبب أمراضا لمستهلكيها إلا أن رخص أسعارها دفع إلى الإقبال عليها.
وأوضح متعاملون في السوق أن "ملابس الموتى" تنظف ثم تغلف في أكياس "نايلون"، وتباع بأثمان رخيصة في متناول أيدي ذوي الدخل المحدود، وأشاروا إلى أن هذه الملابس متوافرة بجميع المقاسات التي تناسب كل الفئات العمرية.
وتلقى هذه السلعة إقبالا منقطع النظير من المستهلكين، ولاسيما بعد التأكد من أن الثياب خالية تماما من الأوساخ أو حتى الأمراض التي كان يعانيها مرتدو الثوب (المتوفى)، وبالتالي يطمئن مشترو الثوب إلى سلامة سلعته، ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يجعله عميلا يمر عليه بين فترة وأخرى.
وحذرت مختصة جلدية من ارتداء مثل هذه الثياب التي قد تسهم في انتقال أمراض جلدية كثيرة تأتي في مقدمتها مرض "الجرب".
وفي هذا السياق، حذرت لـ"الاقتصادية" الدكتورة لمياء عوض إخصائية أمراض جلدية في مستشفى الإيمان العام في الرياض، من ارتداء الملابس المستعملة، سواء كانت للمتوفين أو غير ذلك، مشيرة إلى أنها تنقل أمراضا كثيرة ومختلفة منها الفطريات وأمراض الجرب.
وشددت عوض على ضرورة حصول بائع هذه الملابس على شهادة من إخصائية جلدية تؤكد خلوها من مسببات الأمراض الجلدية، مطالبة بمنع ظاهرة تبديل الملابس بعد لبسها، التي انتشرت أخيراً ما يجعل هناك احتمالية إصابة مرتدي الثوب أو حتى القميص بأمراض في جلده يتسبب في إصابة من يشتريها بعده.
"الاقتصادية" تجولت في داخل سوق حراج ابن قاسم، وتحديدا في زاوية بيع ملابس المتوفين والأخرى المستعملة، التي علقها بائعوها على مواسير حديدية، فوق رصيف ومظلات من حديد في قلب السوق، بجانب محال بيع السجاد.
وقال أبو سالم بائع في السوق ويعمل فيه منذ نحو 15 عاما، إن السوق لا تتوقف عند نشاط محدد، وهناك نشاطات تجارية مختلفة، مشيرا إلى أن المحطة الأخيرة التي توقف عندها حتى الآن هي تجارة ثياب المتوفين.
وأشار إلى أن أسعارها تختلف حسب نوعية الثوب وعمره، غير أن متوسط سعرها يراوح بين 30 و50 ريالا، موضحا أن رأسمالها لا يتجاوز 15 ريالا، وبعضها مجانا من خلال الصدقات التي يدفع بها ذوو المتوفين.
وأوضح أبو سالم أنهم ينفقون فيها مبالغ طائلة عبر غسلها في أرقى مغاسل الملابس، وكيها بأسلوب يليق بمشتريها، وتكون أيضا جديدة المظهر من أجل ألا تظهر فيها عيوب وبالتالي يغض المشتري البصر عنها.
من جانبه، أفاد مستهلكو هذه الثياب أن أسعارها الرخيصة جعلتهم يتجهون صوبها، ولا سيما أن الكثير منهم يصارع الفقر. وقالوا: "كبار السن من ذوي الدخل المحدود أكثر من يقبل عليها، ذلك لأنهم لا يبالون بأهمية ما يرتدون نظرا إلى فقرهم المدقع".
ولفت محمد هزازي (مستهلك) إلى أن أسعار بعض هذه الثياب الرخيصة تجبرهم على شرائها لأبنائهم حين قدوم وقت المدارس، خصوصا أن بعضها يتميز بجودة عالية ومناسب للاستهلاك.
يذكر أن تسمية السوق بهذا الاسم ترجع إلى 60 سنة مضت، حيث كان هناك شخص يعرف باسم ابن قاسم، ويعمل في ذلك الحين دلالا على بيت المال، وتقدم بطلب آنذاك للملك عبد العزيز آل سعود لتحريج تركة الأموات، وبالفعل بدأ في ساحة الصفا بجوار قصر الحكم، ثم جاءت رياح التطوير ناحية هذا الحراج العتيق لينتقل إلى شارع الريس، وبعده إلى منفوحة بجوار سوق المواشي، وبعده إلى حي المنصورية. وأصبح حراج ابن قاسم الآن يضم محال عالمية تعرض الأجهزة الكهربائية الحديثة والمفروشات والسجاد والموكيت وغرف النوم، بل تعدى أكثر من ذلك وأصبحت مصانع الرياض تغزو هذا الحراج بكل ما لديها من جديد.
وكان أحد التجار السعوديين في ذلك الوقت يبشر العرائس والعرسان، فلديه ما يمكنهم من تأثيث عش الزوجية دون تكلفة تذكر، فهذه غرفة نوم كاملة بـ 500 ريال، وتوجد أسرّة للفرد الواحد بـ70 ريالا.
وأشار أحد التجار إلى أن السلعة المستخدمة تباع بنصف أو ثلث الثمن الأصلي للسلعة وهي جديدة، مشيرا إلى أن أكثر زوار السوق هم الوافدون من مختلف الدول العربية والإسلامية، إلى جانب المقبلين على الزواج.
وهذا ما يؤكده عدد من المستهلكين الذين وجدوا في السوق ليشتروا بعض المستلزمات الكهربائية مثل المكيفات، الغسالات، الأفران، والتلفزيونات، "لأنه على وشك دخول القفص الذهبي"، وجاء إلى السوق بناء على اقتراح أحد زملائه الذي نصحه بالشراء من سوق ابن قاسم لرخص أسعارها.
ويعد الحراج هو السوق الشعبية، ويعرفه أهل اللغة العربية بأنه البيع ‏بالمُزايدة في ثمَن السِّلعة بحيث تكون من نصيب من قَدّم أعلى ثمن، واقتصرت ‏هذه السوق في بدايتها على التجارة في السلع المستعملة فقط، ثم اتسع حجمها ‏وتنوعت سلعها، وأصبحت تضم بين جنباتها ما هو مستعمل وجديد، كما انتشرت ‏فيها المحال الحديثة إلى جانب البسطات وعلى مساحات شاسعة في الحراج تنتشر بسطات الملابس المستخدمة، ‏والبسطات هي أقل الأنماط التجارية تكلفة لكونها لا تخضع لترخيص وتطرح ‏سلعها على قارعة الطريق، وتعد العمالة الآسيوية التي تعمل بأجور ضعيفة ‏هي المستهلك الرئيس لهذه الثياب، وكذلك هي أيضا التي تبيعها.‏
ويوضح أحد الباعة الملابس غير المفروزة يبدأ سعر القطعة فيها بريال ‏واحد، بينما يصل سعر القطعة بعد الفرز إلى خمسة ريالات"، وأشار إلى أنه ‏يشتري شاحنة متوسطة الحجم تحوي ملابس مستخدمة بـ 1500 ‏ريال، ثم يقوم ببيع كل قطعة على حدة.‏
وإذا مددت بصرك داخل الحراج، فستجد سلعا أخرى ‏متنوعة، مثل الكتب ذات الطابع الديني، حيث ستجد هنا الموطأ، البداية ‏والنهاية، صحيح البخاري وغيرها من كتب الفقه، الحديث، التراجم، ‏والسير، كما يحتوي إلى جانب ذلك على القليل من كتب علم الاجتماع والشعر ‏والرواية أحيانا، فيمكنك العثور على كتاب لأبي فراس الحمداني بـعشرة ‏ريالات، والقصائد الأولى لأحمد فؤاد نجم بـسبعة ريالات.‏
ومع كبر حجم السوق وتنوع جنسيات مستهلكيها، أدى ذلك إلى أن تكون هناك ‏بالضرورة مطاعم توفر الأكلات الشعبية لمرتاديها، فقد تجد أحد المطاعم يبيع ‏الأكلات الشعبية الخاصة بكل جالية مثل "الفول والطعمية" للمصريين. ولعل ‏أهم ما يميز السوق بعض الذكريات التي تفوح في أرجائها، فالعديد من الباعة ‏كبار السن يجلسون على الأرض يرتشفون الشاي ويحكون قصصا عن ‏ذكريات أو مغامرات.‏
ويعد كامل الأحمدي الموظف المقيم وصاحب بسطة متنقلة أن سوق ‏الـحراج عمل إضافي يدر عليه رزقا كبيرا يصل يوميا ما بين 100 ريال إلى 4000 ريال، مشيرا إلى أن دخل الذين يعملون في الحراج خاصة يومي ‏الخميس والجمعة يصل إلى 1000 ريال، فالرزق في حراج ابن قاسم كبير جدا، ‏ولكنه للأجنبي فقط؛ لأن السعودي لا يرضى بهذه المهنة، مشيرا إلى أنه ربح ‏خلال ستة أشهر نحو 30000 ألف ريال.‏
كذلك توفر السوق ملاذا للباحثين عن "قطع الغيار" حيث يجدون في الخردة ‏المنتشرة هناك أو في الأجهزة المستخدمة مكانا ملائما للحصول على غطاء ‏أو دولاب أو محرك أو محول كهربائي أو عصا لمكنسة كهربائية أو قطعة ‏لغسالة.‏

الأكثر قراءة