رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الطيران الداخلي وغياب المنافسة

[email protected]

السؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين: لماذا خدمات شركات الطيران الداخلي بهذا المستوى الرديء على الرغم من المنافسة التي يُفترض أن تجلب معها أداء متميزا؟ الكثيرون كانوا يعانون من خدمات الخطوط الجوية السعودية، وحينها كان المبرر أنها الوحيدة في سوق الطيران المحلي وتدار على أسس بيروقراطية حكومية دون أن يكون هناك أي حافز للتطوير وتقديم خدمات أفضل. وظلت الخطوط السعودية تمارس وتنعم بهذا الاحتكار ردحا من الزمان حتى تكوّنت ثقافة أنه ليس بالإمكان أحسن وأفضل مما كان، وغدا المسافرون على الرحلات الداخلية مغلوباً على أمرهم، وما كان منهم إلا الإذعان وطلب الحد اليسير من الخدمة بان تتفضل عليهم الخطوط السعودية وتنقلهم حيث وجهتهم أو قريب منها حتى لو تطلب الأمر التأخر لساعات! وأصبح من المألوف أن يستجدي الراكب الخدمة استجداء، وأن يمتحن صبره وقوة تحمله حتى يفوز بمقعد على الطائر الميمون بعد عناء ومشقة. فمنذ الوهلة الأولى لقرار السفر تبدأ المعاناة، فعلى الراكب أن يشنف أذنيه بالصوت القادم من التسجيل في الحجز المركزي "شكرا لاتصالك بالخطوط العربية السعودية... مكالمتك محل اهتمامنا..!" ليمضي وقت طويل قبل أن يأتيه الرد ليفاجأ أن جميع الرحلات مقفلة ما عدا رحلات ما بعد منتصف الليل! وفي المطار عليه الاصطفاف في طابور طويل يُخيل إليك من طوله أن الخطوط السعودية سرّحت جُلّ موظفيها أو أن المجتمع يعاني من عدم توافر الكفاءات المدربة والباحثين عن العمل!
وعندما بدأت شركتا خطوط طيران سما وناس العمل استبشر الناس خيراً وتوقعوا أن يكسر ذلك الاحتكار وتتحسن الخدمة بفضل المنافسة، بل اعتقدوا أن هاتين الشركتين الناشئتين سيدفعهما السعي للربح إلى تقديم خدمات متميزة تزيد من حصتهما في السوق وتتفوقان على أداء الخطوط السعودية العتيدة العتيقة، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث! بل على العكس تماما، فخدماتهما أقل بكثير من خدمات الخطوط السعودية. ما حدا الكثيرين بعد تجارب مريرة من سوء الخدمة إلى الرجوع مرة أخرى للخطوط السعودية. هذا يفسر مطالبة سكان المدن في مختلف مناطق السعودية بإعادة تشغيل خطوطها بعدما قررت منحها للشركات الجديدة. لقد كانت هاتان الشركتان مفاجأة غير سارة وغير متوقعة ومخيبة للآمال لأن الجميع كان يتوق لخدمات أفضل تنهي معاناتهم مع الخطوط السعودية وإذا بهما تسهمان في تدني الخدمة لمستويات أقل مما كانت عليه.
القضية هنا لا تتعلق بشركات الطيران أكثر من أنها تتعلق بقوانين الطيران المدني وعدم حماية المستهلك، فشركات الطيران ليست مساءلة عن تأخر رحلاتها وما تسببه من أضرار مالية واجتماعية ومعنوية للركاب. فغياب قوانين حماية المستهلك دعوة مفتوحة لهذه الشركات إلى التساهل واللامبالاة وارتكاب الأخطاء بحق الركاب دون مقاضاة وتحمل أي تكاليف بهذا الخصوص. ولكن أين هذا كله من المنافسة التي يُفترض أن تكون دافعا قويا نحو التميز. حقيقة الأمر ليس هناك تنافس نحو التميز وتقديم خدمات أفضل، ولكن تنافس في خفض التكاليف وتقديم اقل القليل وجني أكثر الكثير! واقع سوق الطيران الداخلي أشبه ما يكون مسابقة رياضية لأندية الدرجة الثالثة! فمستوى الشركات المتنافسة متدنٍ أساسا وبالتالي يؤثر ذلك في مستوى المنافسة. هذا جميعه بسبب غياب قوانين صارمة تحدد وتفرض مستوى من الخدمة لا يمكن التنازل عنه والمساومة عليه، وهي في جوهرها لا تتعدى التأكيد على إقلاع الرحلات في موعدها المحدد وتوفير رحلات كافية في أوقات مناسبة. وفي ظل هذا الوضع العجيب الغريب بغياب قوانين حماية المستهلك يتحول قطاع الطيران إلى تجارة لا تتطلب التخصصية ولا الالتزام بمعايير محددة تتيح الفرصة لدخول الباحثين عن أرباح سريعة في المدى القصير دون رؤية والتزام طويل المدى.
هناك الكثير من التعامل السيئ لشركتي الطيران الجديدتين (سما وناس) فمعظم رحلاتهما يتأخر لسبع ساعات أو أكثر أو لربما أُلغيت الرحلة دون علم الركاب الذين كانوا قد تكبدوا مشقة الحضور للمطار! هذا إضافة إلى صعوبة استرجاع ثمن تذاكرهم. وهكذا يبقى ركاب هذه الشركات دون حول ولا قوة تحصد أموالهم دون أي التزام بخدمتهم حسب معايير مهنية محددة. هذه مظاهر سلبية لها تبعات سيئة، ليس على مستوى الأفراد وحسب لكن أيضا على مستوى الاقتصاد الوطني، فتحرك الناس وسهولة انتقالهم أمران في غاية الأهمية لإنتاجية أي اقتصاد. فقطاع النقل الجوي جزء من منظومة التنميات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية وتتداخل في جميع مكوناتها. لذا ونحن في مسعانا كمجتمع نحو التنمية المتوازنة بين المناطق وتطوير المدن المتوسطة وإنجاز المشاريع العملاقة للمدن الاقتصادية وغيرها لا بد من تصحيح وضع الطيران الداخلي والارتقاء به إلى مستويات أعلى. هذا الدور منوط بالجهات الحكومية المسؤولة عن تنظيمه بشكل مباشر وغير مباشر. ولن تستطيع المنافسة بين هذه الشركات التجارية وحدها تحقيق جودة الخدمة، فالمنافسة في حقيقة الأمر صورية، فكل شركة خُصصت لها قطاعات معينة ومدن بعينها، هذا إضافة إلى أنها غير مطالبة بالتكاليف الاجتماعية الناتجة من سوء الخدمة.
معالجة هذا الوضع المتأزم لم تعد أمرا اختياريا، ولكن أمر تفرضه الظروف والأوضاع والأنظمة الدولية أو ما يسمّى العولمة واتفاقيات منظمة التجارة العالمية. إن التفكير في إحداث نقلة نوعية في قطاع الطيران المحلي يأتي في سياق الإعداد لمنافسة عالمية شرسة البقاء فيها للأفضل.
إن النجاح في المنافسة العالمية مرتبط إلى حد كبير بمستوى المعيشة وهذا يعني خدمات أفضل، وليس كما يظن البعض، ارتفاعاً في الأسعار فقط، بل مستوى أسعار يعكس مستوى الخدمة المقدمة. لذا حتى وإن بدت أسعار تذاكر هذه الشركات منخفضة إلا أنه مقارنة بمستوى الخدمة المقدمة (وغير المقدمة) مرتفعة جدا. يجب ألا نخدع أنفسنا بظاهر الأمر ونتصور أنه أصبحت لدينا شركات طيران محلي متعددة وبالتالي نتوقع خدمة أفضل، لأن العبرة بالنتائج، والنتائج تقول الخدمة رديئة جدا. إن الالتزام بمعايير مهنية عالية يعني تكلفة أكثر، لذا تلجأ هذه الشركات إلى تأخير رحلاتها أو إلغائها لأي ظرف طارئ للتوفير وخفض التكاليف، ولِمَ لا؟! إذا لم تكن ملزمة بالمواقيت المحددة للإقلاع ولا تتحمّل أدنى مسؤولية عن ذلك أو تبعات جزائية.
لقد شاهدنا وسمعنا كيف أن شركات طيران في دول مجاورة أنشئت حديثا أصبحت تنافس شركات عالمية عملاقة وتحصد جوائز الخدمة المميزة سنويا. الغريب أن أسعارها تنافسية ولم يمنعها ذلك من تقديم خدمات ذات جودة عالية. السر وراء هذا النجاح الباهر في زمن قياسي، يعود للتخطيط والإدارة بكفاءة وفاعلية ووضوح في الرؤية، والتزام في تطبيق ما ينبغي عمله، وفلسفة ترتكز على التطوير المستمر والبحث الدائم عن الأفضل وعدم ترك الأمور للحظ. لن نستطيع تحقيق أي نجاحات إلا إذا علمنا وطبقنا مقولة: "إن أي عمل يستحق الأداء يستحق أن يؤدى بشكل صحيح وبإتقان" وهذا يستلزم التخطيط والعمل بوعي للحفاظ على الصالح العام الذي يقود في نهاية المطاف لتحقيق المصالح الخاصة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي