رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رقابة "خلطبيطا" - كن مديرا أو صبورا أو اسأل الله النافع

[email protected]

أمضيت سنوات من عمري، وأنا أتعلم أن الرقابة ضرورة للمحافظة على الأصول، سواء منقولة أو غيرها. علمني أساتذتي الكبار هنا في المملكة أن الرقابة قضية أساسية لا غنى عنها لأي عمل إداري، ولا يمكن الوثوق بأي معلومة إذا أهدرت الرقابة، وعندها تصبح الأرقام خرساء ولا صوت لها. وهكذا تعلمت أيضا من أساتذة الغرب وفلاسفة علم المراجعة، والذين سطروا في ذلك كتبا ظننتها حينا قصائد. اقتنعت أن الحاجة إلى رقابة متطورة حتى تصبح نظاما مفصلا ودقيقا تعد أمرا لا مناص منه، وخاصة كلما ازداد انفصال الملكية عن الإدارة أي بين المالك وماله ليضع ثروته بين يدي أشخاص يعطيهم لإدارتها رواتب وحوافز ومكافآت. عندما يرحل المالك بعيدا عن أمواله أو تذهب أمواله بعيدا عنه لم يبق له إلا الرقابة لكي يضمن أن تلك الأموال تعمل من أجله هو وليس من أجل موظفيه. تعلمت أن الرقابة أنواع منها الضبط الداخلي، ومنها المراجعة الداخلية والخارجية ومنها قبل الصرف وبعده وأساليب وأدوات أخرى عدة لكن أحدا لم يخبرني قط عن رقابة تسمى "خلطبيطا". رقابة يضلل فيها المالك نفسه، رقابة تتغير وتتبدل مع اختلاف الشخص واسمه. رقابة على الموظف الضعيف تختفي قبل مكتب المدير. رقابة المائة توقيع ليصرف موظف صغير خارج دوامه الذي أضناه وتصبح توقيعا واحدا لمناقصة أو توريد بملايين الريالات. رقابة تحتاج لتجاوزها إلى أن تكون المدير أو تسأل الله النافع.
تجد الرقابة دعما قويا في القطاع الخاص لوجود حقوق الملكية تمثل صافي الأصول بعد خصم الديون، وكلما كانت حقوق الملكية محددة ويمكن تعيينها للملاك بطريقة سهلة ومباشرة زاد تأثيرها لتصبح الرقابة في تلك الشركات أكثر صرامة وفي المقابل أقل تكلفة. وإذا اتجهنا نحو حقوق الملكية المشاع، كما في الشركات المساهمة، أصبحت الرقابة أكثر تعقيدا وأكبر تكلفة. ففي الشركات المساهمة يتركز القرار بيد أشخاص معدودين يملكون القدرة على تجاوز النظام الرقابي، كلما وجدوا في ذلك مصلحة شخصية لهم. هم صنعوا النظام وهم يملكون مفتاح تشغيله وإيقافه وتكفيهم عبارة "يجوز لمجلس الإدارة ما لا يجوز لغيره". ظهرت حوكمة الشركات لتعيد إلى حقوق الملكية هيبتها الرقابية وتسترد السلطات من مجلس الإدارة لتعيدها إلى الجمعية العامة، وقد نجحت جزئيا في العالم المتقدم ولكنها في محلك سر لدينا.

في المقابل وفي القطاع الحكومي لا توجد حقوق ملكية ويصبح المال عاما، لذا تختفي الرقابة الذاتية في النظام الاقتصادي، وتتحول إلى مجرد لوائح وإجراءات تستمد قوتها من القانون والعقوبات. لذلك تعقدت أساليب الرقابة في الحكومة من دولة إلى أخرى حتى وصلت حد الفوضى الرقابية لدينا التي لا تستند إلى منطق علمي يمكن الدفاع عنه، وفي الفوضى يجوز للمدير ما لا يجوز لغيره. أعرف أن من سيقرأ هذا المقال سيطلب منى قراءة اللوائح الصادرة بهذا الشأن، وقد يتهمني بعدم الموضوعية أو نقص العلمية والمنهجية في النقد، فاللوائح واضحة والمؤسسات الحكومية تلتزم بها. وسأقول إن العمل الحكومي، سواء في الوزارات أو المؤسسات العامة لدينا يخضع لأكثر اللوائح تفصيلا ودقة، وفوق ذلك تجد لكل مؤسسة لائحتها التنفيذية، وكل لائحة تنفيذية لها قواعد داخلية، وكل قاعدة داخلية لها تعاميم بين معلنة وسرية وأقولها بكل صراحة إن من يتمكن من حفظ كل هذه اللوائح والقواعد والتعاميم ويجيد التعامل معها فقد أوتي خيرا كثيرا.
فصرف مستحقات يتطلب استيفاء مواد اللائحة المالية والقواعد الداخلية والتعاميم الخاصة بتنظيم صرف مثل ذلك، وخطاب من الرئيس المباشر إلى المدير إلى المساعد الذي يقدم شرحه للرئيس الذي يرفع به خطابا إلى الوزير المختص الذي يقرر بشأنه ما يقرر ثم يعاد إلى مدير شؤون كذا، ليقوم الموظف بإعداد نموذج كذا ويراجعه الموظف الثاني ويدققه ثلاثة آخرون ولا يرفع للمدير المباشر إلا بعد أن يؤشر عليه كل منهم ثم يحال إلى الإدارة المالية ليدققه الموظف "فلان" ويراجعه "علان" قبل أن يحال إلى المراقب المالي ثم الموظف المختص بالاختصاص للارتباط عليه ثم إجراءات محاسبية حتى يتم إيداع المبلغ في البنك المستفيد. ثم ترفع المعاملة بالكامل إلى ديوان المراقبة العامة للتدقيق ثم بعد كل هذا يأتي مراجع الحسابات في نهاية العام المالي للمراجعة والتدقيق – ثم نحن بصدد إنشاء وحدة المراجعة الداخلية - فأي حديث بعد ذلك يمكن أن يقال عن وجود فساد أو سوء استخدام المال العام - قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. لكن نظام "خلطبيطا" هذا يظهر بكل وضوح إذا كانت هذه المستحقات لموظف بسيط. أما إذا كانت القضية قضية مشاريع وملايين، فإن القواعد تختلف واللائحة تفسر، وعند الصرف لا حاجة إلى تدقيق الموظف ولا مراجعة المراقب، ويكفي بعد نظر المدير المختص والملف الذي تحت باطه، وعلى ديوان المراقبة أن يراجع بعد الصرف، فالأسعار اختلفت والمناقصة تحتاج إلى سرعة قرار ونحن نقفز على جدران البيروقراطية.
وعجبا لنظام "خلطبيطا" فلأجل المرور من خلال أروقته، فإن عليك أن تكون جاهزا صبورا أو أن تكون المدير أو أن تسأل الله النافع. فالنظام الرقابي الحكومي أصبح له مفتاحا كالقاطع الكهربائي. من يملك المفتاح المناسب يطفئ النظام، وإلا عليك أن تأخذ شوطا كهربائيا قد ينقلك إلى عالم آخر أو يحيلك إلى التحقيق. وإذا كنت قد تعلمت أن النظام الرقابي يصنع لحماية المال العام فإنني قد رأيت نظاما يصنع لحماية الأشخاص عندما يسرقون المال. إن كفاءة النظام الرقابي تكمن في استقلاله عن الأشخاص الذين صنعوه أو يعملون من خلاله وعدم قدرتهم في التأثير في النظام أو فرض وصايتهم عليه، وإذا اختلت هذه القاعدة فلا داعي للنظام ولنسأل الله النافع.

نقطة نظام.
أكتب هذا المقال وليس تحت يدي معاملة أو شكوى ولم يصل بريدي شيء من ذلك فأرجو ألا يعتقد أحد أن هذا المقال يعنيه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي