رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


نصف مليون منتظر

نجح صندوق التنمية العقارية في رفع رفاهية عدد كبير من سكان المملكة كما حسن مستويات معيشتهم من خلال مساعدتهم في بناء مساكن جيدة وفرت معيشة كريمة لأسرهم. ويعد صندوق التنمية العقارية من أهم الأدوات (إن لم يكن أهمها) التي نهضت بالحياة الحضرية في المملكة خلال الـ 35 سنة الماضية. وعم تأثير الصندوق الإيجابي جميع مناطق المملكة وانتفع بقروضه ملايين السعوديين، وهو الأوسع تغطيةً من بين صناديق التنمية التي كان لها بالغ الأثر في النهضة العمرانية والصناعية والاجتماعية. ويستحق كل من بدأ فكرته وساعد في نموها واستمرارها كل الثناء والتكريم والتقدير. وقد نجح الصندوق في بدايته نجاحاً باهراً بسبب توفيره قروضاً لجميع الراغبين في الاقتراض، ومع مرور الوقت تكاثرت طلبات الاقتراض وتزايد دعم الدولة للصندوق مما يسر تلبية احتياجات الاقتراض المتنامية. وفي منتصف الثمانينيات تباطأ الصندوق في منح القروض العقارية بسبب تراجع الإيرادات الحكومية التي أجبرت الحكومة على خفض الدعم المقدم للصندوق. وفي الوقت نفسه، انخفضت موارد الصندوق الذاتية نتيجةً لتخلف المقترضين عن السداد ونظام إقراضه الذي قاد إلى تراجع إيراداته الذاتية مع مرور الوقت. فمنح الصندوق حسومات مقدارها 20 في المائة مقابل سداد الأقساط المستحقة في الموعد المحدد، وفقدان روادع التخلف عن السداد خفض موارد الصندوق الذاتية وخفض مستويات الإقراض.

وامتدت سنوات انتظار الحصول على تمويل من الصندوق من سنة إلى بضع سنوات، حتى بلغت في الوقت الحالي أكثر من 20 عاماً في المراكز السكانية الرئيسة. وهناك تقديرات أن عدد المنتظرين للحصول على قروض يزيد على نصف مليون شخص، وهذا العدد يمثل الجزء الأكبر من العجز في السوق العقارية. ولو تمكن الصندوق خلال السنوات الماضية من توفير قروض كافية للمتقدمين إليه لتتم إضافة أكثر من 600 أو 700 ألف وحدة سكنية، ولما شهدنا أزمة السكن الحالية والارتفاع الحاد في الإيجارات والذي قد يتفاقم في المستقبل. إن تراكم عدد المتأخرين في الحصول على قروض كان أفضل مؤشر واضح وسهل على ارتفاع مستويات العجز في عرض المساكن. وقد عقد التأخر في التعامل مع انخفاض عرض المساكن، حل الأزمة ورفع تكاليف حلها. ومن المتوقع أن يتطلب حل الأزمة الحالية بعض الوقت الذي قد يمتد إلى بضع سنوات.
وأسلوب الإقراض الذي يقوم به الصندوق والمتمثل أساسا في منح قروض ميسرة للراغبين في إنشاء مساكن وفق ضوابط معينة هو أقل الأدوات الحكومية تكلفةً والأكثر تغطيةً في إنشاء المساكن. وقد جربت المملكة أسلوب بناء الوحدات السكنية وتسليمها للمواطنين، وكانت تكاليف بنائها وصيانتها مرتفعة وأقل إرضاء لأذواق الأسر القاطنة بسبب فرضها لنماذج معينة لا ترضي الأذواق المختلفة. ويمنح أسلوب اقتراض الصندوق المقترضين الحرية والمرونة لتصميم وبناء الوحدات السكنية التي تناسب أذواقهم واختيار أماكن سكناهم. وتقتصر تكاليف منح القروض الميسرة على فقدان عوائد القروض الاستثمارية ومخاطر التخلف عن السداد والتكاليف الإدارية.
وتكثر الاقتراحات في هذه الأيام للتعامل مع معضلة السكن ويتغاضى البعض عن المؤسسات العاملة في الوقت الحالي والتي بإمكانها التوسع والتعامل مع معضلة إنشاء المساكن بسرعة، حيث إن هذه المؤسسات تملك الخبرة والأجهزة اللازمة للتعامل مع الأزمة. ويتطلب بناء وتنظيم مؤسسات جديدة بعض الوقت، كما قد تعاني نتائج أعمالها من بعض الفشل. وأسلوب الصندوق في دعم إنشاء المساكن مجرب وناجح في أدائه، وقد يتطلب بعض التعديلات ولكنه موجود وفعال. وأعتقد أنه من الصعب حل معضلة السكن دون القضاء على خطوط الانتظار الطويلة التي تقف على أبواب صندوق التنمية العقارية. فهل من المقبول مثلاً أن يتقدم شخص عمره 40 عاماً للحصول على قرض سكني ليحصل عليه وقد تجاوز الـ 60. صحيح أن القضاء على خط الانتظار يتطلب دعما ضخما من الدولة قد يصل إلى أكثر من 100 مليار ريال ولكن مثل هذا الدعم ضروري للقضاء على أزمة السكن التي تهدد رفاهية ملايين الأسر السعودية والتي تحرص الدولة باستمرار على رعاية مصالحها ومصالح جميع السكان (ستستفيد الأسر والأفراد الأجانب من انخفاض الضغوط على الإيجارات). وإذا تعذر تخصيص هذا المبلغ الضخم بصورة سريعة فيمكن على الأقل توفير الجزء الممكن منه والقضاء على خطوط الانتظار ضمن جدول زمني معقول لا يتجاوز خمس سنوات.

- متخصص في الدراسات الاقتصادية

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي