رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السياحة والآثار .. هوية وطن

[email protected]

"على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، هكذا يمكن وصف ما يقوم به الأمير سلطان بن سلمان الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار، ويبدو أن عزيمته وإصراره للمضي قدما في همه الإنساني وفكره الوطني وتطلعاته وطموحاته لتقدم المجتمع رغم العوائق والصعاب هي ما تجعله رمزا وطنيا وقائدا إداريا فذا وقدوة للبذل والعطاء بأسلوب مهني واستنادا لأولويات محددة ورؤية مستنيرة واضحة لما ينبغي عمله. إن المتتبع لسيرة الرجل يجد أنه يدور في فلك القضايا الوطنية والبحث الدائم عن تطوير المجتمع ورفعته حتى ولو كان ذلك العمل والنشاط والجهد لا يراه الكثيرين أو حتى لا يقدرونه ولا يكترثون به وخارج دائرة وعيهم واهتمامهم. إذ إن أفكاره الإبداعية وأسلوبه المتجدد وجهوده المبتكرة تسابق الزمن ليبقى في مقدمة الصفوف وحيدا كما هو ديدن القادة الذين عادة ما يصلون إلى المكان أولا حيث لم يسبقهم إليه أحد. لقد أظهر في مناسبات عدة فلسفته في العمل الاجتماعي وحبه وتفانيه لتحقيق المصلحة الوطنية ورغبته الدائمة في المبادرة واستكشاف الجديد كما فعل عندما قرر الذهاب في رحلة المكوك الفضائي وما يكتنفها من مخاطر كبيرة ليسجل بذلك سبقا عربيا إسلاميا، وسيظل التاريخ الإنساني يذكر أن أميرا عربيا مسلما شارك في مهمة عالمية من أجل وطنه وأمته مع أنه ليس مضطرا لذلك على صعيد المجد الشخصي.
في مجتمع لم يعتد المبادرات وخوض تجارب جديدة تسيطر عليه ثقافة المألوف والخصوصية يقف فيه الكثيرون مشدوهين غير مصدقين لهذا العطاء مؤلين تلك المبادرات بتفسيرات غير منطقية ولا تمت للواقع بصلة أو لعلهم قللوا من شأنها وانتقدوها انتقاد المتواكلين السلبيين! كان بإمكان سلطان بن سلمان الأمير المثقف المتعلم المؤهل بأن يعمل في أي قطاع حكومي غير قطاع السياحة والآثار أن ينعم بدفء البيروقراطية والعمل الروتيني المعتاد دون ضغوط إدارية ودون تحمل صناعة القرار والتأسيس لقطاع جديد من لا شيء بل قطاع خدمي يصعب قياس إنتاجيته وإدراك إنجازاته ونجاحاته، فضلا عن أن هناك الكثير ممن لا يؤمن بقدرتنا على النجاح في مجال السياحة والآثار ويعتبرونه ضربا من ضروب الخيال والمستحيل! لكنه آثر خوض التجربة برؤية مستقبلية وواقعية من أجل الوطن وإسهاما في إيجاد مصدر للدخل الوطني يضيف ويحقق التنوع في القاعدة الاقتصادية ويخلق فرصا وظيفية لشباب الوطن، وفي الوقت ذاته السعي للمحافظة على تراثه وهويته إبرازا وحماية له من الاندثار، بل إنه يقدم نموذجا إداريا جديدا في بناء المؤسسات وإدارتها ليكون لها التأثير الاجتماعي المطلوب وإحداث التغيير الإيجابي اعتمادا على قيم الشفافية والجدارة والشراكة واللامركزية والأخلاقيات الكريمة والمعايير المهنية العالية. ولذا لم يكن مستغربا أن يتولى إرسال مجموعات من رؤساء البلديات والمهتمين والأكاديميين كعناصر للتغيير إلى مدن أوروبية وآسيوية للتعرف على تجاربها في مجال السياحة والآثار، وقد عادوا بمفاهيم جديدة ونظرة عميقة وفكر مستنير.
استحضرت كل ذلك في ذهني في حفل توزيع "جائزة الأمير سلطان بن سلمان للتراث العمراني" وكيف أن المبادرة بتنظيمها وهي تنهي دورتها الثانية قد أسهمت في زيادة الوعي بالتراث والهوية الوطنية وخلقت ثقافة جديدة في خضم التوجه المحموم نحو التحضر المادي وعمارة المدن تقليدا أعمى حتى غدت مدننا كتلا أسمنتية بأشكال وتصاميم ومواد وألوان لا تمت بصلة لثقافتنا المحلية. لم يعد هناك نمط وأسلوب عمراني بنكهة محلية تميز مدننا عن غيرها من مدن العالم، بل تكاد تكون نسخا مكررة منها. لقد تحولت المدن إلى "لا مكان" أو "أي مكان" وافتقدنا بذلك هويتنا المميزة عامل الجذب السياحي الأول. إن التراث يمثل بالنسبة لكثير من المجتمعات عنصرا ورمزا مهما في كينونتهم ووحدتهم واجتماعهم. ولمعرفة ذلك علينا محاولة الإجابة عن السؤال الغائب: من نكون؟ سيكون من الصعب الإجابة دون أن يكون هناك شواهد ومعالم تراثية تساعده على تصور الإجابة وتعينه على وصف هويته للآخرين. ولكن هناك من يعتقد أن الاهتمام بالتراث يتعارض مع التعاليم الدينية وتخوف من تقديسها والتبرك بها وهو حذر مطلوب ولكن هل المنع هو الأسلوب الأمثل؟ على العكس تماما إذ إننا بالمنع نفوت فرصة ذهبية في تعزيز القيم الإسلامية واتصال المسلم بتاريخه العظيم بل أسلوب لدعوة الناس للإسلام. وهنا قد يكون من الأجدر وضع سياسات وأنظمة تنظم وترتب وتمنع احتمالية الوقوع فيما يخالف الشرع. ومهما يكن الأمر، فإن المواقع الأثرية هي عوامل جذب للسياح والاستفادة منها يتعدى المردود الاقتصادي إلى المردود الثقافي الدعوي فهي تهيئ الفرصة لجلب السياح من غير المسلمين لسماع ورؤية تاريخ الدعوة المحمدية ودعوتهم للإسلام، كما أنها في الوقت ذاته فرصة لتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة لدى بعض المسلمين. إنها مدرسة يجتمع فيها الناس ليتعلموا شيئا عن عظمة الإسلام وقيمه ومبادئه الصحيحة. وقد يأتي اليوم الذي لا نضطر فيه لإرسال الدعاة إلى مشارق الأرض ومغاربها بل نكتفي بتعليم الزوار والسياح تعاليم الإسلام ورقيه الحضاري حتى إذا رجعوا إلى أقوامهم حدثوهم بما سمعوا وشاهدوا ليكون ذلك دعوة مفتوحة للدخول في الإسلام أو على أقل تقدير تحسين صورته عند الآخرين خاصة في هذا الوقت الذي يتم فيه تشويه صورة الإسلام والمسلمين.
إن أكبر محبط وعائق لتحقيق النجاح في مجال السياحة والآثار هو الفكر المتحجر والثقافة التي تدعو للجمود والاستكانة والأحكام المسبقة وسوء الظن ومعارضة كل جديد. إذ إن السياحة صناعة مجتمعية يشارك فيها الجميع ويستفيدون منها دون استثناء، وإذا لم يقبل المجتمع فكرة ضيافة الغرباء والترحاب بهم والتخلي عن النظرة الفوقية الزائفة والكبرياء والتعالي الجاهلي على الآخرين فلن نستطيع مهما أوتينا من مقومات سياحية في أن نجذب السياح. الحديث هنا لا يقتصر على عموم الأفراد في المجتمع وحسب ولكن حتى بعض المؤسسات الرسمية والتنظيمات والقرارات العامة التي تعرقل السير في الاتجاه الصحيح وتعقد الأمور من منظور جهوي لا لشيء وإنما فقط من أجل ممارسة السلطة في مفهومها الضيق السلبي وليس لتحقيق المصالح الوطنية في نطاقها الأوسع الأشمل. الإشكالية في الإغراق في الجزئيات والعمل الروتيني حتى لم يعد بالإمكان رؤية الأهداف الوطنية الاستراتيجية. البعض يقرأ السياحة والآثار قراءة خاطئة في أنها تعني التخلي عن الثوابت الوطنية والثقافية واختزالها في الأنشطة الترفيهية المنفلتة. السياحة والتراث يعنيان الاطلاع والتعلم واستكشاف المجتمع والاستفادة من الميزات التفضيلية سواء كانت صحية أو ثقافية أو تعليمية وغيرها كثير. إن قطاع السياحة والتراث يفتح آفاقا جديدة في التعرف على هويتنا بوعي وإدراك تام والتعريف بها والتواصل مع الآخرين بشكل إيجابي. لقد حان الوقت لنعي أنه ليس بالإمكان الاستمرار في الاعتقاد أننا بمنأى عن التغيرات التي تعصف بالعالم، وأنه لا بد من البحث عن وسائل وطرق جديدة ليس لاستيعاب هذه المتغيرات بل إحداثها ابتداء لأن أفضل طريقة لإدارة التغيير هي إحداثه. وهذا يتطلب قياديين من نوعية الأمير سلطان بن سلمان كما وصفه الأمير خالد الفيصل أثناء حفل الجائزة بـ"رجل التحديات"، وأضيف صاحب الجهود الخفية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي