الطاقة والغذاء من أجل الفقراء(2 من 2)
ظلت سياسة المملكة النفطية تتصف على الدوام بثلاث صفات مهمة: المسؤولية والحكمة وبعد النظر. فمن حيث المسؤولية، كنا دائما نبذل أقصى ما نستطيع لتوفير إمدادات النفط التي تحتاج إليها السوق وتسمح بها إمكاناتنا. كما كنا نسارع في تقديم المساعدات في الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية، وكان آخرها المساعدات العاجلة التي قدمناها لزلزال الصين، ثم تلك التي قدمناها للمؤسسات الدولية في مجالي الغذاء والطاقة لمساعدة الدول الأكثر فقرا. ومن حيث الحكمة، اتصفت سياستنا بالواقعية فكنا نحرص على حماية مصالحنا الوطنية ضمن اعتبارات وتوازنات دولية دقيقة. أما من حيث بعد النظر، فاستراتيجيتنا قامت على إطالة عمر ثروتنا النفطية إلى أقصى مدى زمني ممكن، عن طريق العمل على ضمان بقاء الطلب علي النفط مستمرا، فالأسعار العالية مدعاة للتعجيل بظهور بدائل للنفط قد تهدد قيمة وأهمية ثروتنا النفطية.
في اجتماع جدة للطاقة، بينا للعالم أننا نشاطر الجميع القلق العميق مما يجرى في سوق النفط. وأنها تطورات لا تسعدنا، بل إنها على درجة من الجدية، حيث يجب التعامل معها بمسؤولية. وعلى الآخرين الترفع عن تكرار الاتهامات المموجة والمبتذلة الموجهة لدول "أوبك". فقد غدا واضحا أن ارتفاع أسعار النفط هو محصلة تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والفنية والمناخية. بيد أنه ليس منها تصرف جديد مقصود من قبل الدول المنتجة، فإنتاج النفط في معظم هذه الدول وصل إلى حدوده القصوى. وعلينا ألا نغفل أن صناعة النفط العالمية لم تخصص استثمارات كافية لتطوير الطاقة الإنتاجية أثناء فترة انخفاض أسعار النفط من منتصف الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات. صحيح أن نمو الطلب العالمي والآسيوي كان بمثابة القوة الدافعة الأولي لبدء ارتفاع الأسعار منذ عام 2003. لكن الجموح العالي الذي شاهدناه في الفترة الأخيرة، تقف خلفه أسباب سياسية لا علاقة لها بآلية السوق الطبيعية، ولا نجد تفسيرا عقليا لها سوى أنها تهدف لإرهاق القوى الصاعدة في آسيا وربما بعض دول الاتحاد الأوروبي (باستثناء بريطانيا) لكبح جماح منافستها للاقتصاد الأمريكي.
وقد استخدم الأمريكان لتحقيق هذه الغاية أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية. منها استخدام نفوذها في هيئة الأمم المتحدة للتغطية على عدوانها العسكري على العراق. ثم طبقت سياسة الفوضى الخلاقة التي قادت لعدم الاستقرار السياسي والاضطرابات الأمنية في منطقة الخليج العربي فكان محصلة ذلك توليد إحساس مستمر بخطورة مستقبل إمدادات النفط لدى المتعاملين في أسواق النفط الآجلة، الأمر الذي أشعل نهم المضاربة على هذه العقود لتحلق أسعار النفط لمستويات قياسية غير مسبوقة.
أما الأداة الاقتصادية فكانت تبني سياسة الدولار الضعيف. لأنها تضعف قيمة الاحتياطات الصينية من الدولارات، وتساعد على نمو الصادرات الأمريكية. وقد تحقق ذلك من خلال سلسلة التخفيضات المتتالية في أسعار الفائدة الأمريكية. ثم جاءت الهزة العنيفة التي أصابت الجهاز المصرفي الأمريكي نتيجة تمادي البنوك الأمريكية في تقديم قروض إسكانية ضخمة دون ضمانات كافية، والتي انتقلت عدواها لتطول أسواق المال العالمية. وكانت محصلة كل ذلك، تدهور ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأمريكي، وتراجع صلاحية الدولار كمخزن دولي جيد للقيمة. وبالطبع ففي كل مرة تنخفض فيها قيمة الدولار، تزيد حدة المضاربات لأن المضاربين أصبحوا يرغبون التخلص من الدولار المتهاوي، والهروب إلى أسواق المواد الأولية ومنها النفط. فخلال السنوات الخمس الأخيرة ارتفعت جملة الأموال المستثمرة في أسواق السلع الدولية ومنها النفط، من 13 مليار دولار إلى 260 مليار دولار! ودلالة الأرقام ليست في قيمتها فقط، وإنما في ارتفاع عدد صفقاتها وتأثيرها في تغذية الهلع لدى المضاربين.
وفي شهادته أمام الكونجرس لم ينفى دانيل يرجين D. Yergin رئيس جمعية كمبردج لأبحاث الطاقة، مسؤولية المضاربين - ضمن عوامل أخرى - عن ارتفاع أسعار النفط. أما مايكل ماسترز M. Masters، وهو مدير صناديق تحوط، فقد أكد في شهادته مسؤولية المضاربين عن جموح أسعار النفط، وأضاف أن تحجيم دورهم وخاصة المضاربين الجدد من راكبي موجة الارتفاع، كفيل بتخفيض سعر النفط للنصف.
كانت ورقة الوفد السعودي في اجتماع جدة للطاقة، قطعة من التفكير العقلاني المرتب، الذي وضع النقاط على الحروف، فحدد أسباب الأزمة وطرح أفكارا عملية لكيفية تعاون الجميع في مواجهة الأزمة.