رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


.. وحتى لا يتورط صغار المستثمرين - ولات حين مناص

[email protected]

نظريا تعد سوق الأسهم مرآة الاقتصاد، لأنها تعكس حركة رأس المال والاتجاهات الاستثمارية فيه بشكل عام. فمن المفترض – ونظريا أيضا- أن سوق الأسهم عبارة عن عينة ممثلة لجميع الشركات العاملة ويجب على هيئة السوق المالية أن تعمل لتحقيق ذلك بحيادية تامة. لكن ولكي تعكس السوق الواقع الحقيقي لتدفق الاستثمارات واتجاهاتها يجب أن تشتمل على جميع القطاعات التي يعمل الاقتصاد من خلالها ويجب أن تتوزع الشركات في تلك القطاعات بشكل صحيح. وكلما كان هذا التوزيع منطقيا ويعكس الواقع الاقتصادي كلما كانت السوق قادرة على عكس صورة حقيقية للاقتصاد. وهذا الذي دفع هيئة السوق المالية إلى إعادة هيكلة القطاعات آملا أن تعكس الوضع الاقتصادي الحالي للمملكة. فالهيكلة السابقة كانت قادرة على عكس اتجاهات الاقتصاد السعودي خلال فترات الثمانينيات لكن وبرغم التطورات التي شهدها الاقتصاد السعودي من ذلك الحين والتنوع الذي شمل قطاعاته إلا أنه لم يحدث أي تغيير جوهري على هيكل السوق. من أجل ذلك قامت هيئة السوق المالية بتطوير هيكلي من ناحيتين جوهريتين، وهما إضافة عدد من القطاعات الجديدة لتنقلنا من سبعة قطاعات إلى 15 قطاعا، وهذه نقلة موضوعية كبيرة. ورفع عدد الشركات في السوق من 64 حتى 122 شركة، وهي محكومة هنا بحركة الاستثمارات وتوجهات رجال الأعمال ويجب عليها أن تكون محايدة في هذا الجانب ولا تتدخل لفرض توجهات نحو قطاع معين لأن السوق تعكس واقع الاقتصاد وليس فكر الهيئة.
لقد كان من المتوقع أن يكون لهذا التطوير أثر في قدرة السوق ومؤشراتها في عكس الحركة الاقتصادية والتوجهات الاستثمارية وهذا بدا جيدا من خلال إمكانية قراءة معطيات القطاعات، حيث أصبح لدينا تحليل أوسع وأكثر شمولية يمكنا من فهم الوضع الاقتصادي العام وأي القطاعات أقدر على خلق النقد وجذب الاستثمارات. فكما قلت أعلاه أن الشركات في كل قطاع داخل السوق تمثل عينة للشركات في ذلك القطاع بمقياس الاقتصاد. فمثلا قطاع صناعة البتروكيماويات عبارة عن 12 شركة بمجموع رأسمال قدره 80 مليارا، في المقابل فإن الاستثمارات الموجهة نحو السياحة لم تتجاوز 800 مليون ريال، وبينما يستطيع قطاع البتروكيماويات خلق نقد يعادل تقريبا 0.19 من أصوله فإن قطاع السياحة لا يستطيع إلا على خلق نقد يعادل تقريبا 0.05 من أصوله. لا أعتقد أنه من الصعوبة القول إن الاقتصاد السعودي ومن خلال قراءة سوق الأسهم لا يهتم كثيرا بالاستثمار في القطاع السياحي بينما يمثل قطاع البتروكيماويات توجها اقتصاديا حقيقيا. ومع أي تحفظ حول هذه البيانات فإنه ومن خلال هذه المقارنات يمكن لصغار رجل الأعمال فهم التوجه الاقتصادي العام وبناء استراتيجياتهم الاستثمارية ومنشآتهم الصغيرة. وإذا كان هذا يعد صحيحا على مستوى الاستثمار الحقيقي فإنه يجب أن يكون كذلك على مستواه الثانوي وهو الاستثمار في سوق الأسهم نفسه، لكن الأمر ليس بكل هذا الوضوح الذي نعتقده.
فسوق الأسهم السعودية تبدو هذه الأيام بل منذ عدة سنوات تائهة تماما وغير قادرة على عكس حالة الاقتصاد التي يمكن قراءتها من مصادر مختلفة. فبينما يحقق الاقتصاد مؤشرات نمو جيدة تتسبب في ارتفاع مستويات التضخم تفاجئنا السوق بعكس حالة من الركود الاقتصادي المخيف. وللحقيقة فإنه يجب التفرقة بين السوق الأولية والسوق الثانوية فالسوق الأولية – سوق الاكتتابات أو سوق الطرح الأولي - لم تزل سوق ناشطة وتدفع باستثمارات قوية وتدر عوائد مجزية وتعكس حالة نشاط مثيرة يمكن القول إنها متأثرة بالحركة الاقتصادية العامة وتعكسها، وإن كان يجب عدم إغفال أثر التسهيلات التي تقدمها هيئة السوق المالية في هذا الجانب واندفاعها لتطوير السوق. ومع ذلك تبقى السوق الثانوية هي الأساس في قراءة حركة الاقتصاد لأنها تعكس وبشكل كامل قراءة المستثمرين لتوجه التدفقات النقدية خلال فترات مستقبلية. والمفترض أن هذه التدفقات النقدية تخلقها الشركات من خلال توزيعات الأرباح وليس من خلال المضاربات. فإذا كان المستثمر على قدر من الوعي فإنه سيدفع باستثماراته ويبني محفظته من الشركات والقطاعات التي تدر أعلى تدفقات نقدية. وبتوجه المستثمرين بمجموعهم نحو تلك الشركات فإن السوق تعود لتعكس الواقع الاقتصادي. أما إذا اتخذ المستثمرون قراراتهم بناء على العوائد التي تحققها لمضاربات فقط (كما هو الحال اليوم) فإن النتيجة هي تشويه صورة الواقع الاقتصادي مما قد يتسبب في اتخاذ قرارات استثمارية، وفي بعض الأحيان قرارات اقتصادية غير صحيحة وذلك على المستوى الكلي والجزئي وهو ما حدث فعلا في فترة ما قبل الانهيار الكبير. لكن ليست جميع أنواع المضاربات تمثل تشويها لصورة الاقتصاد بل إنها في بعض الأحيان تظهر كاستجابة للتطور الاقتصادي وتوجهاته ولكن باندفاع مضر. نتذكر في هذا مثلا فقاعة شركات تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة. فبرغم الفقاعة إلا أنها كانت تعكس توجها اقتصاديا عاما في الولايات المتحدة نحو الاستثمار في تلك الشركات. فكفاءة السوق المالية استطاعت عكس حالة الاقتصاد وحركة رأس المال بدقة.
فالقضية التي تواجه السوق المالية السعودية هي حالة فشل كبيرة تعتريها لعكس حالة الاقتصاد، وإذا كانت السوق تمثل مجموع المستثمرين فإنه يبدو لي ومن خلال المعلومات التي تقدمها شركة تداول عن واقع المستثمرين بحسب الجنسية ونوع الاستثمار (وإن كانت تحتاج إلى تفصيل أكثر بحسب القطاعات) أن ذلك يعود إلى ضعف المستثمر السعودي الفرد في قراءة اقتصاده أو ضعفه في تحويل تلك المعلومات إلى قرارات اقتصادية صحيحة. لست بهذا أقدم جديدا ولكن الواقع يزداد تأزما مع حالة التضخم التي يمر بها الاقتصاد. فمن المعلوم أن الادخار يصبح آلية مضرة مع التضخم كونه يتسبب في تآكل رأس المال للانخفاض المستمر في القوة الشرائية وبذلك يتعين التحول إلى الاستثمار. لكننا بدلا من ذلك نفاجأ بزيادة المعروض النقدي إلى معدلات قياسية وزيادة معدلات الودائع (مع العلم أن البنوك السعودية لا تمنح فوائدا على ودائع الحسابات الجارية) فإلى أي مدى يعكس هذا الوضع حالة المستثمر السعودي التائه؟
في نهاية المقال يجب القول إن النظرية صحيحة ولم تبتكر الرأسمالية فكرة الأسواق المالية عبثا. ستعود السوق لتعكس حالتنا الاقتصادية عاجلا أم آجلا مهما بذل كبار المضاربين من جهد لتشتيت جهود الهيئة. وحتى ذلك الحين يجب على صغار المستثمرين عدم الاندفاع والتهور في المضاربات أو التورط في الشركات التي تفشل في خلق عوائد وتوزيعها مهما اشتدت حمى المضاربات عليها ولعلي أكون أكثر صراحة بالتحذير من التورط في شركات التأمين الخاسرة حتى تثبت جدارة مالية. ومن جانب آخر وحتى تنجح السوق في التعافي من واقعها يجب على الهيئة الحذر عند اتخاذ قرارات جديدة ويجب التأني حتى يمكنها خلق وعي أكبر في السوق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي