جودة الوعي وجودة الخدمات علاقة طردية أم عكسية؟!
صالح متذمر من سوء معاملة وكيل السيارة الذي اشترى منه السيارة الألمانية رغم أنه دفع أكثر من 400 ألف ريال قيمة لسيارته حتى أطلق مصطلح إدارة إهانة العملاء كبديل مناسب لإدارة خدمة العملاء في تلك الشركة.
محمد متذمر من المستشفى الخاص الذي يعامله كمشروع ابتزاز لتحقيق المزيد من الإيرادات لا كإنسان حي يعاني مرضا ألمّ به وجاء ليعالج على يد من منحه الثقة لعلمه وأخلاقه، ولكن وللأسف الشديد أجرى له الكثير من الفحوصات التي لا داعي لها وضررها أكثر من نفعها، كما أعطاه الكثير من الأدوية ذات الآثار الجانبية غير المحمودة، التي لا تعطى إلا لحالات متقدمة وحرجة من أجل دراهم معدودة تعود لجيب الطبيب ولجيب الصيدلي من مالك المستشفى ومن شركات الأدوية التي تريد الربح الكبير حتى وإن كان على حساب أنات مريض.
سعد يشكو من سوء معاملة موظف حكومي يسوف في إنجاز معاملته دون سبب ملمحا له بأن إنجازها ممكن إذا دهن السير بما يجعله يسير بوتيرة أسرع، ويقول سعد إنه لن يفعل حتى وإن طال الزمن وتأخرت المعاملة ولم تنجز ومكتفيا بترديد مقولة "حسبنا الله ونعم الوكيل".
ناصر يشكو من عدم تجاوب مركز الشرطة والجوازات معه عندما هربت خادمته والسائق معا رغم أنه بلغ عن شكوكه بموزع الصحف الذي مهد لهما الطريق وفرش لهما الأرض ورودا، بل ويضيف صالح أن ضابط المركز يشكو هو الآخر من هروب خادمته بظروف مشابهة، وأنه لا حول له ولا قوة، مشيرا إلى قوى منظمة تعمل على تهريب وتوظيف العمالة المنزلية بطرق غير نظامية.
ما يجمع صالح ومحمد وسعد وناصر أنهم مواطنون من الطبقة المتوسطة التي لا تستطيع أن تحرك صانع الرأي أو صانع القرار أو متخذه، كما لا تستطيع أن تستقطع الوقت الكثير لرفع الشكاوى ومتابعتها مع المسؤولين في الجهات ذات الصلة، وهو ما جعلهم في حالة تذمر دائم وقلق مستمر من تردي الأوضاع إلى ما هو أسوأ مما هي عليه، وحيلتهم الوحيدة الشكوى في المجالس وتحميل الأجهزة الحكومية أسباب هذه الأحوال التي لا تسر أحدا أيان كان.
ما هو أسوأ من هؤلاء المواطنين حالا بعض المؤسسات الخاصة وغير الربحية التي تتمتع بهياكل إدارية ومالية جيدة ولديها القدرة على التعبير عن رفضها لما هو قائم والرفع لجهات الاختصاص ومتابعة ما تم من إجراءات بخصوص شكاويهم والعوائق التي تعترضهم من أناس تخلو عن أخلاقيات المهنة واتبعوا سبيل الشياطين، إلا أنها تقف موقف صالح ومحمد وسعد وناصر! وللعلم فإن هذه المؤسسات تمثل نسبة كبيرة جدا حيث التذمر والولولة تطغى على العمل على تغيير الواقع بجهود مخططة ومقصودة.
نادرة هي المؤسسات التي تعي مسؤولياتها في معالجة الأوضاع السلبية القائمة بدل التذمر، حيث تحلل وتشخص تلك المؤسسات مواطن الخلل وتتخذ الخطوات المناسبة للمعالجة بشكل واع، مما يؤدي بالمحصلة لمعالجة تلك المشكلات من جذورها بعد برهة من الزمن، حيث تقوم هذه المؤسسات بإثارة المشكلات والعوائق من خلال القنوات المتاحة لتوعية المسؤولين بنوعية وكم المشكلات وأسبابها وآثارها السلبية ومقترحات علاجها، والذين عادة ما يستجيبون بمعالجتها والأمثلة كثيرة وليس المجال هنا لذكرها.
إذن المشكلة التي أمامنا هي مشكلة وعي بأهمية رفض الخطأ والشكوى من خلال القنوات المتاحة والمتوافرة وهي كثيرة ومنها البرقيات وصناديق الشكاوى والمواقع الإلكترونية والوسائل الإعلامية، كما أنها مشكلة وعي أيضا من قبل الجهات التي تقدم الخدمات، حيث يغلب على موظفيها ضعف الإحساس بقيمة العمل والإنجاز، ما يؤدي إلى تولد الإحساس بالسعادة عند تعطيل الأعمال والمصالح بدل الإحساس بالسعادة عند تيسيرها وإنجازها وللأسف الشديد.
وهو ما يشير إلى أن جودة الوعي مرتبطة ارتباطا طرديا بجودة الخدمات وجودة الحياة بالمحصلة، نعم لو وعى الموظف في أي منشأة كانت حكومية أو خاصة أو غير ربحية مسؤوليته، وأهمية القيام بها كفرد في مجتمع عليه أن ينجز أعماله، كما يطالب الآخرين بإنجاز أعمالهم من أجل مجتمع متكامل متراحم ومتعاون ينمو بتعاضد أفراده، لما تقاعس عن القيام بمسؤولياته بالشكل المخزي، ليطالب الحكومة فيما بعد أن تقوم بحل مشكلاته التي يعانيها في مواقع أخرى تقاعس موظفوها هم الآخرون، وكأنه غير مسؤول وغير متقاعس هو الآخر، وعلى الحكومة أن تحل مشكلاته ومشكلات المواطنين الآخرين الذين هم السبب الرئيسي فيها وفي تفاقمها.
ولو وعى كل مواطن مسؤوليته في عدم السكوت عن الخطأ وتحرك لإيقافه وبذل الجهد والوقت لمنعه من الوقوع مرة أخرى من خلال القنوات الكثيرة المتاحة لما تمادى الموظفون في التقاعس في أي مؤسسة كانت عن خدمته كما يجب، ولوجد أن الوضع يتطور لما هو أحس تدريجيا نتيجة الضغط المتواصل من المواطنين الذي يعون حقوقهم ويعون مسؤولياتهم في إيقاف من يتهاون في تحقيقها لهم.
والسؤال لماذا ضعف الوعي هذا؟ الأسباب كثيرة ومتعددة وقد يكون بعضها تاريخيا، ولكن بكل تأكيد فإن التعليم وخصوصا التعليم العام يتحمل وزرا كبيرا في اختلال منظومة القيم والمفاهيم في بلادنا حتى بات أكثرنا لا يؤمن بقدرته كفرد قوي تزداد قوته بالتعاضد مع بقية أفراد المجتمع في فرض بيئة سليمة صالحة للعيش الكريم، وهو ما أصّل لمجتمع يشتكي لبعضه البعض ويطالب المؤسسات الحكومية أن تحل مشكلاته دون أدنى مشاركة منه، فهل نرى تعليما يرفع درجة وعي المواطن السعودي في أخلاقيات المهنة ومسؤولياته تجاه المجتمع والوطن، نأمل أن يكون برنامج الملك عبد الله لتطوير مرفق التعليم على وعي بذلك.