رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل تتدنى ثقة القطاع الخاص في الاقتصادات الخليجية؟

[email protected]

تبني الوحدات الاقتصادية بما فيها الأفراد، منشآت أعمال القطاع الخاص من شركات ومؤسسات، الوحدات الاقتصادية المدارة من قبل القطاع العام، والجهات المسؤولة عن الاقتصاد الكلي عموماً استراتيجياتها وسير عملياتها على التوقعات المستقبلية للاقتصادين الكلي والجزئي، والمؤثرات المختلفة على عناصر الإنتاج بما فيها عنصرا العمل ورأس المال. وانطلاقاً من الاقتصاد الكلي، فإن الموازنة العامة لأي عام يتم تصميمها بناء على التوقعات المستقبلية للدخل والمصروفات المستقبلية المتوقعة في العام المالي المقبل، حيث إن متطلبات وتوقعات الإنفاق والدخل الكلي لا يمكن تحديدها دون الركون إلى نماذج حسابية ورياضية تعتمد على نظرية الاحتمالات وتضمن تقليل هامش الخطأ لكون القرار الاقتصادي الكلي محفوفا بحالة من عدم التأكد تظل قائمة مهما تغيرت الظروف الاقتصادية، خصوصاً في حالة اقتصادنا الوطني الذي تعتمد ميزانيته السنوية والنمو الاقتصادي فيه عموماً بدرجة كبيرة على تحركات السوق النفطية.
أما مؤسسات وشركات القطاع الخاص، فلا تستثنى من الاعتماد على التوقعات المستقبلية، فالشطر الأعظم من منشآت القطاع الخاص تسير على تحديد توقعات أهداف الأداء فيما يتعلق بالدخل والمصروفات بجميع مكوناتها، فقد تشمل التوقعات المستقبلية للتكاليف احتمال ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، تكلفة القوى العاملة، أو التكاليف التشغيلية، أما حالة عدم التأكد المستقبلية المرتبطة بالدخل فقد تشمل ارتفاع أو انخفاض أسعار المبيعات والاستثمارات وغير تلك من المؤثرات التي تحدد الطلب الكلي لمنتجات منشأة الأعمال وأداء استثماراتها. وتصل التوقعات المستقبلية للاقتصادين الكلي والجزئي إلى الأفراد والمستهلكين الذين يعتمدون على توقعات ارتفاع وانخفاض التكاليف الاستهلاكية مقارنة بارتفاع وانخفاض مصادر الدخل من مرتبات وحوافز، لتحدد هذه التوقعات معدلات ومستوى الطلب الكلي على السلع والخدمات بجانب العرض الكلي للعمل من جانب الأفراد في مختلف القطاعات، ما ينتج عنه تحديد حجم عرض العمل ضمن مختلف التخصصات العلمية التي تطلبها السوق في البيئة الاقتصادية الديناميكية.
والسؤال الذي يبرز هنا، ما هي التوقعات المستقبلية، ما هي مقاييسها، وماذا تعني؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة أبداً، وقد تتضارب وتتشعب تفسيرات التوقعات المستقبلية تبعاً لأهداف الجهات التي تتطلع إليها، إلا أن الثابت هو أن التوقعات المستقبلية ترتبط بالثقة في المستقبل مهما حمل من تغيرات محتملة. فالثقة الاقتصادية تعني عموماً توقع انعكاس المعلومات والبيانات المتوافرة على حالة الاقتصاد المستقبلية والتنبؤ بمسيرة الاقتصاد المستقبلية وأداء مختلف المؤشرات الاقتصادية، فإذا كان مجمل المعرفة تشاؤمياً، فالتوقعات المستقبلية لتقدير الأداء ستكون تشاؤمية، وبالتالي سيتم اتباع استراتيجيات أعمال تتناسب مع التوقعات المتشائمة، والعكس صحيح عند التفاؤل. لذا، فقياس الثقة الاقتصادية يعتمد على مؤشرات الاقتصاد القيادية لا التاريخية بالدرجة الأولى.
وفي سياق محددات الثقة الاقتصادية، وبسبب غياب توفير معلومات عن المؤشرات الاقتصادية القيادية بشكل دوري شهري أو ربعي من قبل الجهات الرسمية المعنية بذلك، فإن القطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية الدولية تعمل بدأب على سد الثغرة وتوفير المعلومة من خلال تقاريرها الاقتصادية. فمن جهات القطاع الخاص المتابعة للاقتصادات الخليجية يبرز مؤشر إتش إس بي سي HSBC لثقة قطاع الأعمال في الاقتصادات الخليجية، والذي أوردت صحيفة "جلف نيوز" الإماراتية ملخصاً لنتائجه للربع الثاني يوم الأحد الماضي 22/6/2008. هذا المؤشر الذي يقيس الثقة بالاقتصادات الخليجية بمسح يتناول عددا كبيرا من منشآت قطاع الأعمال في دول الخليج يصل عددها إلى 1469 منشأة يعد من أول المؤشرات التي تقيس الثقة في الاقتصادات الخليجية بناء على مرئيات القطاع الخاص العامل في دول الخليج ربعياً.
وقد أوضحت نتائج مؤشر ثقة قطاع الأعمال في الاقتصادات الخليجية للربع الثاني من العام الحالي استمرار توجه المؤشر المركب لجميع دول الخليج إلى الانخفاض الذي صاحبه منذ إطلاق المؤشر الربعي قبل عام ونصف. ومن الأمور الأساسية التي أدت إلى تراجع المؤشر مخاوف التضخم وتأثيرها في أداء المنشآت، ارتفاع أسعار النفط، وتحديات التوظيف. ولكن، وعلى الرغم من الأسباب الثلاثة السابقة التي تعد مصدر مخاوف القطاع الخاص الخليجي، إلا أن نتائج مؤشر الثقة تشير إلى توقعات القطاع الخاص بنمو قوي في العام الحالي، حيث يتوقع 62 في المائة من المشاركين في الاستبيان ارتفاع الدخل، 50 في المائة يتوقعون ارتفاع الأرباح، ونحو 52 في المائة يتوقعون رفع معدلات التوظيف وحجم القوى العاملة لديهم. كما تراجعت توقعات قطاع الأعمال بشأن إعادة تقييم أسعار الصرف الخليجية إلى 28 في المائة مقارنة بـ 59 في المائة بنهاية العام الماضي، ما يدل على القدرة التأثيرية للتأكيدات الرسمية المتتالية بخصوص الإبقاء على سياسة أسعار الصرف.
كما أن مؤشر الثقة الخاص بكل اقتصاد من الاقتصادات الخليجية يشير إلى أن أعلى معدلات الثقة في الربع الثاني سجلت في قطر بفارق كبير عن الإمارات التي تلتها، تليها البحرين ثم السعودية وتتبعهم سلطنة عُمان وأخيراً الكويت. هذا الترتيب لمؤشر ثقة قطاع الأعمال بالاقتصادات الخليجية يثير عددا من التساؤلات التي لن تتضح إلا بعد نشر تفاصيل المسح وطريقة تحليل البيانات. فعلى سبيل المثال، وبافتراض ثبات تحديات التوظيف في جميع الدول الخليجية، كيف تكون مستويات التضخم من أكثر المخاطر المؤثرة سلباً في مؤشر الثقة في الوقت الذي تتفوق فيه مؤشرات الثقة في الاقتصاد القطري الذي يعاني من تضخم مرتفع مقارنة بدول المجلس الأخرى؟ من ناحية أخرى، إذا كان ارتفاع أسعار النفط يعد من المؤشرات التي تدل على التشاؤم لقطاع الأعمال، فكيف نفسر حصول الكويت النفطية على أقل نقاط لثقة قطاع الأعمال، بينما تحصل البحرين غير النفطية على ترتيب أفضل؟ يبدو أن هناك إجابة واحدة لهذا التباين وهذه التساؤلات، وهي أن هناك متغيرات أخرى تتفوق في أوزانها الترجيحية على مصادر قلق قطاع الأعمال التي ذكرت، وأن توقعات النمو قد تتمتع بوزن ترجيحي أكبر من متغيرات المخاطرة التي تم ذكرها.
عموماً، ستتضح نتائج مؤشر ثقة قطاع الأعمال في الاقتصادات الخليجية عند ظهور تفاصيل التقرير الذي قد يتضمن معلومات إضافية قد تسلط الضوء على تباينات رؤية قطاع الأعمال للاقتصادات الخليجية. وأخيراً، فإن النقطة المهمة التي يجب التركيز عليها تتعلق بأهمية تشجيع مراكز أبحاث الجامعات وبنوكنا السعودية والجهات الاقتصادية الرسمية على تصميم مؤشرات ثقة اقتصادية تتعلق بالمستهلك النهائي، قطاع الأعمال، والمستثمر الأجنبي، وأن يتم نشرها للعموم، خصوصاً أن تنوع مصادر المؤشرات على اختلاف منهجيتها, يتيح الفرصة للمقارنة ويوفر رؤية أدق للمتغيرات الاقتصادية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي