ضرورة الدعم الحكومي لقطاع السكن
من المتوقع أن يصدر نظام الرهن العقاري خلال الفترة القريبة المقبلة. وترتفع في الأجواء التوقعات حول الحلول السحرية التي سيوفرها نظام الرهن العقاري بل وتكثر في هذه الأيام المبالغة في التفاؤل بالنتائج الإيجابية التي ستتمخض عن نظام الرهن العقاري. ويحلم البعض بأنه سيحل معضلة الإسكان ويوفر ملكية المساكن لجزء كبير من سكان المملكة المعدمين عقارياً. وأعتقد أن الإفراط في التفاؤل بخصوص نتائج إقرار الرهن العقاري ناتج عن التغاضي عن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء أزمة السكن التي يعانيها الكثير من سكان المملكة.
وأزمة السكن في المملكة ناتجة ببساطة وبصورة أساسية عن ارتفاع أسعار العقارات مقارنةً بدخول وثروات جزء كبير من السكان. ونمت نسبة غير القادرين على تملك مساكن من إجمالي السكان مع ارتفاع معدلات النمو السكاني وتصاعد أسعار الأراضي وتكاليف مواد البناء. ويدل ارتفاع تكاليف الإيجارات الحاد في السنوات الماضية على ارتفاع نسبة المعدمين عقارياً (الذين لا يملكون عقاراً) من إجمالي السكان.
وسيزيل نظام الرهن العقاري أحد العوائق المهمة التي حدت من التمويل العقاري، وذلك من خلال توفير ضمانات قانونية تمكن الممولين من استرداد أموالهم بسرعة في حالات العجز أو التأخر أو المماطلة في السداد. وسيستفيد الممولون والمقتدرون على الاقتراض من إقرار النظام وتطبيقه. وسيأتي معظمهم من ذوي الدخول المرتفعة نسبياً مقارنةً بمتوسط دخول الأسر التي لا تملك مساكن حالياً في المملكة. ولن يوفر إقرار وتطبيق النظام حلولا اقتصادية تساعد الفئات السكانية غير القادرة على الاقتراض. وعلى النقيض من ذلك، سيؤدي إقرار النظام إلى رفع الطلب الكلي على العقارات وأسعارها. وهذا سيزيد من مصاعب تملك المساكن للشرائح السكانية غير المحظوظة.
وتحدد نسبة القادرين على الاقتراض من خلال معرفة توزيع الدخول والثروات للشرائح السكانية ومستويات أسعار العقار. ولا تتوافر بيانات محددة عن شرائح الدخل في المملكة، ولهذا فإن تقدير مستويات دخول الشرائح السكانية خاضع للتخمين والتقدير. وتقود معدلات الأجور المنخفضة في القطاع الخاص إلى الاعتقاد بأن دخول نسبة كبيرة من الأسر القاطنة في المملكة ( قد تبلغ ثلث أو نصف الأسر القاطنة في المملكة) تقل عن عشرة آلاف ريال في الشهر، وأن نسبة أكبر من الأسر في المملكة يقل دخلها عن 15 ألف ريال في الشهر. وتضع مستويات الدخول هذه حدوداً عليا على قدرة الأسر للحصول على تمويل عقاري. فالأسر التي يقل دخلها عن هذا الدخل ليست مؤهلة مالياً للحصول على قروض تزيد دفعاتها الشهرية على أربعة أو خمسة آلاف ريال في الشهر, وأكاد أجزم أن معظم الأسر المستأجرة لا تستطيع تحمل تمويل شهري تزيد دفعاته على ثلاثة آلاف ريال في الشهر. وإضافة إلى تكاليف التمويل الشهرية للمساكن، يتوجب على الأسر الساعية لتملك مساكن توفير مقدم أو دفعة أولى لا تقل نسبتها عن 20 في المائة إلى 25 في المائة من قيمة العقار. وتوفير هذا المبلغ يعد عقبة كأداء أمام الأسر منخفضة الدخل وحتى نسبة كبيرة من متوسطة الدخل. وعند مقارنة القدرة على الدفع لنسبة كبيرة من السكان بأسعار العقارات نجد أن من الصعب على الأسر التي يقل دخلها الشهري عن 15 ألفا تحمل تمويل مساكن بالأسعار ومعدلات الإقراض الحالية.
وتتركز أزمة السكن بصورة أساسية في المراكز السكانية الرئيسة والتي تتصف بارتفاع أسعار عقاراتها، حيث يقترب سعر المسكن البسيط من نحو مليون ريال، وهذه الأسعار مرشحة للارتفاع مع مرور الوقت. وعلى الأسر الراغبة في تملك مساكن توفير دفعة أولى لا تقل عن 200 ألف ريال ثم تمويل الباقي وهو 800 ألف. وتمويل هذا المبلغ يتطلب دفع أقساط شهرية لا يقل مجموعها السنوي عن 10 في المائة لتغطية خدمة الدين وجزء من أصله، أي أن على هذه الأسر دفع ما يزيد على 6600 ريال شهرياً عند معدلات الفائدة الموجودة حالياً، وهذا المبلغ يتطلب دخلاً شهرياً يزيد على 15 ألف ريال. ومن المعلوم أن أفضل معدلات الفائدة أو الأرباح على القروض في الوقت الحالي تبلغ 7 في المائة (تعادل نسبة 3.5 في المائة التي تستخدمها البنوك عن معدلات الأرباح وتموه فيها تكاليف الاقتراض أو الفائدة الفعلية). ولهذا فإن تيسير التمويل العقاري التجاري ستقتصر فائدته على ذوي الدخول المرتفعة نسبياً، ولن يتمكن أصحاب الدخول المنخفضة من تحمل دفعات القروض التي تزيد قيمتها على 200 إلى 300 ألف ريال. وهذا المبلغ أقل من سعر حتى أبسط شقق التمليك المعروضة للبيع في مدن المملكة.
لقد ترك حل مشكلة السكن خلال السنوات الـ 20 الماضية بصورة متزايدة للأسواق والقطاع الخاص، ولكن مرةً أخرى أثبتت الأسواق فشلها في حل المعضلات العامة، بل إن الأسواق فاقمت من حدة المشكلة وعقدت أساليب حلها. إن السبيل الوحيد لمساعدة معظم سكان المملكة على تملك سكن يتأتى من خلال خفض تكاليف شراء وإنشاء المساكن. ولن تسعى الأسواق لخفض أسعار المساكن بل على العكس يحبذ معظم الفاعلين في السوق رفع الأسعار. وأعتقد أن حل أزمة السكن في المملكة يتطلب المزيد من التدخل والدعم الحكومي لتملك المساكن وإنشائها. وتتوافر في المملكة العديد من أدوات الدعم الحكومي التي ينبغي رفع مستوياتها ولكن هذا لا يمنع من تطوير أساليبها واستحداث آليات جديدة مكملة لأدائها.