رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


في العالم المتقدم

كثيرا ما نردد عبارة (العالم المتقدم) أو (الدول المتقدمة) على سبيل الإشارة المرجعية التي على أساسها يتم التوضيح فيما ينبغي أن تكون عليه الأمور من دقة وانضباط في العمل والتزام بالنظام والتحلي بأساليب حضارية في فن التعامل ودماثة الخلق والاحترام وصيانة الحقوق، وما إلى ذلك من مميزات إيجابية نفتقدها بيننا وفي أوطاننا.
كما أن العبارة نفسها تستخدم أيضا على نحو مغالط لتبرير الأخطاء والإخفاقات في تحقيق سيادة القانون والتجاوزات في خرق الأنظمة واللوائح أو للتغطية والتعمية على علة بروز بعض الظواهر السلبية المحرجة في المجتمع كالفقر، البطالة، الفساد، المخدرات، الشذوذ، وذوي الظروف الخاصة.
فإذا كان الحديث يخوض مثلا في مسار الرغبة في الرقي والحداثة، فإننا نجعل (العالم المتقدم) مرآة نرى فيه فشلنا في جعل النظام سيد الموقف والفيصل المقدم على سواه أو فشلنا في عدم الصدق في المواعيد والبطء وتدني الكفاءة في إنجاز الأعمال أو إهمال النظافة أو الإسراف والتبذير.. إلخ.
لكن الطامة الكبرى أننا نستدير 180 درجة ساعة نفاجأ بانكشاف عوراتنا وانفضاح إخلالنا بالنظام وبالقوانين أو حين يصعقنا تفشي ظواهر مخجلة معيبة عن مجتمع حملنا عنه في دواخلنا قناعات مزمنة بأنه محافظ، (كأن لا غرائز، لا أهواء، لا مطامع، لا وساوس أو خبث فيه إطلاقاً؟!!) لذلك يرتج علينا حين نسمع أو نقرأ عن جرائم جنسية فاضحة أو سطو مسلح غاشم أو جرائم سرقة مستهترة أو اكتشاف حالة نصب من النوع الثقيل كما في المساهمات العقارية وتشغيل الأموال وما لف لفهما.. وتكون ردة فعلنا سلق هذه الفظاعات بألسنة غلاظ ثم سرعان ما نداهن أنفسنا بالقول: (مثل ذلك يحدث حتى في العالم المتقدم!!) متجاهلين أن ما يحدث هناك يتم فضحه وملاحقته قانونيا، كما يتم تفسيره وقراءته وعلاجه نفسيا واجتماعيا لكيلا يعاود الظهور فيما هو لدينا يعيد إنتاج نفسه كل مرة على نحو أبشع يجعلنا صرعى لا حول ولا قوة، وكأنه ضرب من الخيال!!
يحدث هذا لأننا ننطلق من موقف عام لا يعترف أصلا بأن هذه الظواهر يمكن أن تحدث في مجتمعنا، إلا على أساس أنها طارئة أو غزو ثقافي وأفكار هدامة بثها المغرضون والمندسون من غير (أبناء جلدتنا)، فيما (العالم المتقدم) معها، لم يخلع على نفسه مناقب غير بشرية، لم يعلق عاهاته على شماعة غيره، لم يمارس لبس الأقنعة وطواقي الإخفاء، ولم يكن معقداً ومصاباً بفوبيا مواجهة نفسه والتأمل فيها مهما حملت من الندوب والتشوهات.. بل هو يراقب، يشخص، يدرس، يناقش ويجرب هذه الآلية في الحل أو ذاك الأسلوب في المعالجة، كما أن مؤسساته المدنية والعدلية والصحية وغيرها جاهزة متحفزة للتصدي لأي ظواهر سلبية أو انحرافات سواء ما له علاقة بالنفوس أو بالفلوس!!
والغريب، أننا مع ذلك كله، نستخدم عبارة (العالم المتقدم) بصيغة الـ (مبني للمجهول) أو (ضمير مستتر) أو (خبر مقدر)، كما يقول النحويون.. إذ إنه نادرا ما (يتبرع) الكاتب أو القائل ليخبرنا بالضبط عن أي عالم متقدم يتحدث؟ أو ماذا فعل إزاء هذه الظاهرة أو تلك؟ وما المؤسسات، السياسات، الجهود، الخبرات البشرية والأموال التي وجهت للقضاء على تلك الظواهر؟ كم استغرق الأمر وعلى أي نحو تم الأمر؟ وما مدى ما حققه هذا (العالم المتقدم) من النجاح؟ وفي أي مجال وكيف؟!
إن أحدا لا يقول لنا ذلك، إلا نادرا ولمح البصر، لذا يظل (العالم المتقدم) في فكرنا أشبه بتهيؤات وتصورات وانطباعات مجردة أكثر من كونه منظومات واقعية حية مدركة فعلياً، إذ يبدو أن ما يجري على السطح من فعاليات (الكارنفال) هو ما يستحوذ على عقولنا، ويستهلك انتباهنا ويدهشنا، لكننا لم نطوح بنظراتنا لنرى كيف يعمل العصب الحي الحقيقي لهذا المشهد خلف الكواليس، كم يهرق من عرق وعناء هناك؟ كم يقدح من فكر خلاق ويبذل من جهد مدجج بعزيمة الاستمرار وبصيرة الأداء.. لهذه الأسباب ولأسباب ثقافية وتاريخية أخرى، يظل العالم المتقدم يتقدم ويتقدم، ونظل نحن نتحدث عنه فقط ليبقى الفرق بين الحالين هو فائض التقدم عنده!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي