رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اجتماع جدة: البحث عن الأسعار العادلة والمتوازنة

[email protected]

يعقد اليوم في مدينة جدة مؤتمر على جانب كبير من الأهمية، حيث يجتمع المنتجون والمستهلكون للنفط في محاولة منهم لإيقاف الزيادات المتواصلة في أسعار النفط التي تعد السبب الرئيس وراء موجة الغلاء التي تجتاح العالم في هذه الأيام. ويعد المؤتمر خطوة مهمة على طريق البحث عن حلول موضوعية لارتفاعات أسعار البترول، ولكن ما نؤكده هو أن استمرار الغرب في توجيه اللوم إلى "أوبك" لا يســاعد على علاج هذه الأزمة، لأن "أوبك" ليس لها دور في ارتفاعات أسعار البترول، بل بالعكس كانت ومازالت "أوبك" تمد يدها لتحقيق الاستقرار في سوق البترول العالمية. ورغم أن انعقاد المؤتمر مهم للمنتجين والمستهلكين.. إلا أن الأمل في الخروج بنتائج فاعلة للسيطرة على أسعار البترول.. يعد أمراً مستبعداً، والسبب أن الآليات التي تحرك أسعار البترول ليست في أيدي المنتجين ولا في أيدي المستهلكين، وإنما هي آليات تتحكم فيها قوى السوق المختلفة، ولكن إذا اتخذ المجتمعون سلسلة من التدابير فإنها قد تساعد على ضبط الأسعار لفترة من الوقت ثم تعود قوى السوق وتدفع الأسعار إلى الزيادة مرة أخرى، بمعنى طالما أن الأسباب التي أدت إلى زيادة الأسعار مازالت قائمة، فإن الأسعار ستظل إلى مزيد من الارتفاع.
ونعرف جميعاً أن من أهم الأسباب التي تتسبب في زيادة الأسعار سببان هما الزيادة الملحوظة في الطلب على البترول وانخفاض سعر صرف الدولار، أمَا المضاربة في سوق البترول والاضطرابات السياسية التي تشهدها بعض المناطق البترولية، فإنهما نتائج للأسباب الحقيقية وليست أسباباً رئيسة، وأود أن أضيف سـبباً آخر سيتنامى ويدخل بقوة في السنوات القليلة المقبلة ضمن الأسباب المؤدية إلى ارتفاع أسعار البترول، وهو ترهل وضمور بعض آبار البترول التي ستتسبب في انخفاض الكميات المعروضة في السوق البترولية، وسيرافقها زيادة في الطلب على البترول كنتيجة طبيعية لزيادة معدلات النمو في بعض دول النمور الآسيوية ودول النمور اللاتينية، إضافة إلى الصين والهند، ثم زيادة الطلب على البترول من كل دول العالم لتلبية الزيادة في معدلات النمو.
ونذكر ــ على سبيل المثال ــ أن بعض الآبار في إيران ستبلغ سن الشيخوخة واليأس في السنوات القليلة المقبلة، وتتوافر بعض الدراسات التي تؤكد أن إيران ستخرج من منظومة الدول المصدرة للبترول بعد 15 عاماً لأنها لن تكون دولة مصدرة للبترول، وسوف يتقوقع البترول الإيراني في السوق المحلية الإيرانية، كما أن بعض الآبار في فنزويلا تمضي قدماً نحو الشيخوخة مثلها مثل صنواتها آبار البترول العتيقة في إيران، يضاف إلى ذلك أن وزير البترول الإندونيسي صرح بأن آبار البترول الإندونيسية تقترب من الجفاف ولم تعد تنتج كميات فائضة قابلة للتصدير، وأن إندونيسيا لذلك لن تصبح دولة مصدرة للبترول، وطالما أنها لم تعد دولة مصدرة للبترول فإنها ستنسحب من منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، كذلك تعاني بعض الآبار في روسيا وبحر الشمال أمراض الشيخوخة وضمور في الإنتاج، أمَا المكسيك وهى إحدى الدول البترولية الكبرى فسوف تجري مســحاً شـاملاً لاحتياطياتها البترولية وقد لا تحمل نتائج المسح أخباراً ســارة لأكثر الناس تفاؤلاً، ولذلك فإن صادرات المكسيك من البترول ربما تنخفض بشكل يبعث على القلق. وعموماً تقول إحدى الدراسات عن معدلات الإنتاج والاستهلاك: إن برميلاً واحداً يكتشف مقابل أربعة براميل تستهلك.
هذا الاستعراض الموجز للكميات المتاحة من النفط في السوق العالمية للبترول في الأمدين القريب والمتوسط.. لا يحمل أخباراً تبعث على التفاؤل بإمكانية السيطرة على الأسعار، بل بالعكس فإن الكميات المعروضة من البترول ربما تتعرض للانخفاض حتى مع أن السعودية باشرت باعتماد مبلغ 90 مليار دولار لتنفيذ مشاريع زيادة قدراتها الإنتاجية التي ستصل إلى 12.5 مليون برميل يومياً بدلاً من تسعة ملايين برميل.
إن محاولات زيادة الإنتاج ما زالت عصية على الاستجابة للطلب المتزايد، ولم يعد مقبولاً من الناحية العملية الاعتماد على مشاريع زيادة الإنتاج، فخروج بعض آبار البترول العريقة عن الإنتاج.. سيسـبب نقصاً في العرض أكبر من الزيادة في الإنتاج، وكذلك فإن الزيادة في معدلات الاستهلاك العالمي سنة بعد أخرى تجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل التحكم في قوى العرض وبالتالي انعدام القدرة على التحكم في الأسعار، ولذلك فإن ما نؤكده أن أسعار البترول إلى زيادة ولا يوجد في الأفق ما يساعد على وقف الزيادة في الأسعار أو حتى تخفيف معدلات الزيادة في الأسعار.
ونستطيع القول إنه إذا استمر العالم على المعدلات نفسها من الاستهلاك، فإن البترول المتوافر فوق الأرض أو تحت الأرض سينتهي وينضب في بحر قرن من الآن، وستتعرض الحضارة الإنسانية إلى امتحان صعب.
الموضوع الأخطر هو أن الزيادة المستمرة في أسعار البترول لن تكون وبالاً على البترول فحسب، بل ستجر وراءها كل السلع والخدمات التي سـتشـهد بالضرورة زيادات هائلة في كل الأسواق العالمية.
بمعنى أن العالم يتجه إلى موجات من الغلاء إن ظلت مستمرة لفترات طويلة فإنها ستنقلب إلى كساد يضرب الاقتصاد الدولي ويدخله في كارثة تشبه كارثة الكساد الكبير التي وقعت عقب الحرب العالمية الأولى للأسباب نفسها التي نعانيها الآن، وهي تفشــي الغلاء في جميع أوصال النشاط الاقتصادي ومن ثم تفشي الغلاء الفاحش في جميع الأسواق العالمية.
في ضوء هذا الواقع المزعج فإن المطلوب من المنظمات المالية والاقتصادية الدولية ومطلوب من الدول العظمى أن تعاين صناعة النفط بأعلى درجات الحيطة والاهتمام وأن تتحمل مسؤولياتها وتتحرك بقوة نحو البحث عن حلول موضوعية لأزمة كبرى في الطاقة وأزمة أكبر في الأســواق العالمية.
وما يجب الإشارة إليه هو أن البديل عن البترول لا يتمثل في بديل واحد بل يتمثل في مجموعة بدائل يتخصص كل بديل في شـأن من شؤون الحياة، ولا شك أن من أهم البدائل المطروحة الطاقة النووية التي ثبت أن تكلفتها منخفضة، إضافة إلى الكهرباء والطاقة الشمسية والوقود الحيوى. وكل بديل من هذه البدائل له وظائفه، فمثلا الطاقة النووية تتجه إلى توليد الطاقة الكهربائية وتحلية المياه، أمَا الطاقة الشمسية فقد ثبت نجاحها في التدفئة والتشغيل في المنازل والمصانع، كما أن التجارب أثبتت أن الكهرباء يمكن أن تتقدم خطوات جيدة باتجاه المركبات والسيارات والعربات، وطبعاً فإن التحول من استخدام البترول إلى استخدام بدائل عديدة للطاقة يحتاج إلى استثمارات هائلة، ويحتاج ــ كذلك ــ إلى وقت حتى تتم بالتدريج عمليات الإحلال والاستبدال.
ونستطيع أن نؤكد أن البحث عن بدائل للطاقة سيصبح بعد عشر سنوات قضية مطروحة بقوة على كل المستويات وفى كل المناسبات، لأن العالم بعد عشر سنوات.. ستكون أمامه إحصائيات دقيقة للاحتياطي الحقيقي من البترول، وستصل أسعار البترول إلى مستويات غير مجزية، وعندئذ سيضطر العالم كله للبحث عن مصادر بديلة للطاقة، ولكن يجب ألا تأتى هذه البدائل على حساب القوت والغذاء.
وفى ضوء ما ذكرنا من تحليل وأرقام فإن الحل الأهم أمام الجميع هو البحث عن مصادر بديلة للبترول، وإلاَ فإن العالم سيقع ضحية التفرج على آبار تقترب من الضمور، وإنتاج قاصر أمام طلب زاخر ومتزايد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي