المجلس البلدي لمدينة الرياض .. ورؤية جديدة لإدارة المدن 1/2
كان العنوان الأبرز للقاء الأول لمجالس بلديات منطقة الرياض بمبادرة من مجلس بلدي مدينة الرياض بالتعاون مع مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية، البحث عن صيغة جديدة لإدارة المدن من خلال منح المجالس البلدية الاستقلال الإداري والمالي. اللقاء حظي برعاية صاحب السمو الأمير منصور بن متعب نائب وزير الشئون البلدية والقروية مهندس عملية تفعيل الانتخابات والمجالس البلدية وأحد المسئولين عن قيادة تطوير وتنمية الإدارة المحلية بالسعودية. ولا شك أن تخصص سموه العلمي في الإدارة العامة وتجربته الأكاديمية التي تمتد لأكثر من عقدين من الزمان قضاها في التدريس والبحث العلمي وقد مزجت بالخبرة العملية، تجعله الأكثر تأهيلا لإحداث التطوير المنشود في العمل البلدي والارتقاء بعملية صنع القرار المحلي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المدن والقرى. من يستمع إلى مداخلات سموه أثناء اللقاء يعلم جيدا أن الرجل يتحدث من رؤية واضحة وفلسفة عميقة صقلتها التجربة وسعة الاطلاع والقدرة على قراءة الواقع والمتغيرات المستقبلية، هذا إضافة إلى سعة صدره وكرم خلقه وقدرته الفائقة على احتواء الآخرين والإنصات لأرائهم. ولذا يتوقع من سموه بشخصيته وتميزه وعقليته المستنيرة مبادرات حاسمة وأفكار جديدة وجريئة ترتقي بصناعة القرار المحلي وتنسجم مع النهج الرشيد للدولة في التخفيف من المركزية وطموحات وتطلعات المواطنين في المشاركة في التنمية المحلية وتطوير مدنهم وقراهم. ولذا لم يكن مستغربا أن يؤيد ويدعم التوجه نحو الاستقلال الإداري والمالي للبلديات أثناء مداخلته في اللقاء، كما أشار إلى أن الموضوع لا يختص فقط بوزارة الشئون البلدية والقروية ولكن تتداخل فيه جهات حكومية أخرى من أهمها وزارة المالية. وهذه ملاحظة تحسب لسموه، إذ إن ما يعيق عملية التطوير والتنمية الإدارية هو حينما تكون لغة الخطاب جهوية تتنازع القضية البيروقراطيات المختلفة دون النظر للموضوع من زاوية أكثر شمولية وعمقا تتعدى مصلحة الجهة الضيقة إلى المصلحة الوطنية الأوسع.
هناك كثير من الملاحظات على نظام المجالس البلدية الذي أصدر قبل ثلاثة عقود ومن المتفق عليه من الجميع أن الوقت موات إن لم يكن متأخرا لمراجعته وتطويره ليتناسب مع المعطيات الجديدة على الساحتين الداخلية والخارجية. القضية المحورية في تطوير النظام تكمن في رفع سقف الصلاحيات الإدارية والمالية لمستوى يمكن من صناعة القرار ذي الشأن المحلي محليا ويمنح المجلس البلدي القدرة على ممارسة دوره بما يتفق مع حجم المسئولية الملقاة على عاتق أعضائه ويضمن كفاءة وفاعلية المجلس في خدمة المجتمع المحلي وتحقيق أهدافه. الاستقلال الإداري والمالي حجر الزاوية في مشروع التنمية الإدارية المحلية، وعلى أن النظام نص في المادة الأولى على أن "البلدية شخصية اعتبارية ذات استقلال مالي وإداري تمارس الوظائف الموكلة إليها بموجب هذا النظام ولوائحه التنفيذية"، إلا أن المادة لم تفعل وبقيت البلديات ومجالسها تدار بذات الأسلوب البيروقراطي الرتيب وفي إطار الأنظمة المركزية التي تصدرها وزارة المالية. لقد تبدلت اقتصاديات المدن وأصبحت أكثر دخلا وتعقيدا ونضجا ولم تتطور الأنظمة لتحاكي هذه التغيرات الجوهرية لتكون إدارات المدن مكبلة بأنظمة عقيمة تمنعها من الإبداع والتطوير والانطلاق إلى مستويات أعلى من التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ان عدم التمييز بين المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية في عملية صنع القرار إضافة إلى صياغة أنظمة تفترض عدم الثقة بحجة الحفاظ على المال العام يعزز من نهج المركزية الشديدة. وحقيقة الأمر أن النظام المالي الحالي عقيم، ظاهره الانضباط وباطنه التسيب وافتقار المراقبة الصحيحة الفاعلة، إذ إنه يرتكز على تطبيق الإجراءات الروتينية دون ربطها بالأداء الفعلي للجهاز الحكومي والإنجازات المتحققة، كما أنه يشجع الركود والبطء ولا يسمح بالإبداع والابتكار والاستجابة للمتغيرات في بيئة العمل. هذا الوضع المتردي لنظام المالية العامة يعرقل عملية التطوير بل يخشى أن يتسبب في أزمة إدارية ومالية لها تبعات سيئة وخطيرة على المجتمع يصعب الخروج منها. لم يعد بالإمكان الاستمرار على ذات النهج المركزي لأن المدن ومسئوليها وسكانها أصبحوا أكثر نضجا ودراية ومعرفة وحرصا على الشأن المحلي. إنه من العجيب الغريب أن يفترض أن الأجهزة المركزية أكثر حرصا على المصالح المحلية من الأجهزة المحلية الأكثر قربا من السكان. إن المركزية الشديدة تفوت الفرصة على المدن الاستفادة من النمو الاقتصادي الكبير وإدارته بأسلوب أكثر نفعا لجميع الأطراف. فهناك كثير من المشاريع والخدمات التي تتطلب سرعة التنفيذ كما ونوعا بما يتفق مع متطلبات البيئة المحلية وتحقق التنمية الاقتصادية، وهذا ما يقود للحديث عن الرسوم المحلية، حديث يكتنفه الغموض والجهل والخوف وهو نتيجة طبيعية للاقتصاد الريعي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الموارد البترولية. كما أن عملية انتقال المجتمع من تقليدي تفتقر لكثير من المقومات الحضرية إلى مجتمع أكثر تحضرا وتقدما من خلال مركزية القرار تلقي بظلالها على نظرة الناس للخدمات العامة على أنها هبات! هذا التفكير السلبي يعرقل عملية التطوير والانتقال لمراحل أكثر تقدما وفهما لدور المواطن في التنمية المحلية. إن الرسوم البلدية من شأنها، فضلا عن الإسهام في التنمية المحلية، توثيق العلاقة بين السكان وصناعة القرارات التي تهمهم من ناحية وإعادة توزيع الدخل من ناحية أخرى. وكما ذكر سمو الدكتور عبد العزيز بن عياف أمين منطقة الرياض رئيس المجلس البلدي لمدينة الرياض أنه يجب فهم أن الرسوم للمواطن وليس كما يردد دائما أنها على المواطن. وقد يضاف إلى ذلك اشتراط أن تكون في خزانة البلديات وتحت تصرفها وليس وزارة المالية لأن الربط بين الرسوم والمنافع المتحصل عليها أمر في غاية الأهمية يجعل المواطن مدركا ومقتنعا بجدوى الرسوم.
أما فيما يتعلق بالميزانيات المخصصة للأمانات والبلديات من الميزانية العامة للدولة فقد اقترح في اللقاء إدراجها تحت اسم "الإعانات الحكومية للبلديات" لضمان حرية الأمانات والبلديات في الصرف منها حسب أولوياتها المحلية وما تقتضيه مصلحة سكان المدن. النقاش هنا ليس فنيا إجرائيا لرفع كفاءة وفاعلية القرارات البلدية وهو أمر مهم، ولكن الأهم هو تحمل البلديات مسئولية صناعة القرار وليس فقط اتخاذه. المطلوب هو تطبيق مسؤولية المحاسبة على النتائج وليس مسؤولية تطبيق القرارات المركزية وتنفيذها. إن أوضاع المدن أكثر تعقيدا من إدارتها باتجاه واحد من أعلى إلى أسفل. الظواهر والمشاكل المشاهدة في المدن أكبر دليل على ضرورة منح الصلاحيات الإدارية والمالية للبلديات لمعالجتها، فالمشاكل المحلية تتطلب حلولا محلية، حتى لا تتفاقم وتتحول إلى مشاكل وطنية تستنزف الجهد والمال والوقت وتصرف الجهات المركزية عن مهمتها الأولى وهي صياغة الاستراتيجيات الوطنية. وللحديث صلة.