مشاعر متناقضة
مترامية الأطراف، شاهدتها للمرة الأولى من السماء، مدينة لا تهدأ، تجمع ثقافات العالم، وفيها ألوان من البشر، يعرفون أنها قلب مملكة الإنسانية، ولها ثقل اقتصادي وسياسي.
الحياة اليومية في العاصمة تحفل بالكثير من المشاهد، منذ أن تبدأ ساعات الصباح الأولى تعج الشوارع وكأنها "أنهار" من السيارات، لا تكاد تمشي بضع أمتار حتى تسمع في الإذاعة تقريراً عن حالة الشوارع، تمشي بهدوء تحاول تجاوز الطرق المزدحمة، فتقع فيها صدفة، تمضي بضع دقائق قبل أن تصل إلى مكانك.
كل يوم تقريباً تحكي عن زحام العاصمة، ليس زحام شوارع فحسب... كل شيء بات مزدحما، لكن لا يسدل الليل حتى تتغير الحياة في العاصمة، الهدوء يعم أطرافها، وكأنها لم تكن ممتلئة بأنواع من السيارات والناس، أو كأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، عندما تتجول فيها تشعر أن شيئا ينقص المكان، وقد تشعر بوحشة الطريق الذي كان قبل ساعات قد وصل إلى ذروة استيعابه، هو ذاته ما كنت تشكي زحامه.
من رمال "الثمامة" تتأمل تلك المدينة، وتنظر إلى سمائها، وتكتشف أنها تعكس ضوءها. في الليل تراودك قصص وحكايات عن مدينة جمعت الآلاف، وحركت السياسات، غيرت الموازين وأصبحت محوراً مهماً لا يمكن تجاهله، تركت طابعا مميزا عند الآخرين. قمم توالت عليها، وجذبت الأنظار إليها، رسمت فيها خريطة العالم بكل تفاصيله من قمة "العرب" لنظيرتها "الخليجية" ثم "أوبك"، وبكل هدوء الرئيسان بوش وساركوزي يزورانها لتكتمل الصورة بوضوح. إن الرياض ليست مجرد "مدينة" أو "عاصمة" في دولة، هي شيء آخر لا يدركه إلا البعيدون عنها، ولا تجيد الكلمات توصيفه.
حولها تتناقض المشاعر، ستتذمر من زحامها وحرّها أو بردها، لكنك ستشعر بشيء تجاهها عندما تبتعد عنها، ستردد اسمها بين فينة وأخرى، ستطرب أذنك عندما تسمعهم يتحدثون عنها، وإذا عدت إليها ولامست قدماك ترابها ستتأمل كل زاوية كأنك للمرة الأولى تراها، وستمعن النظر حولك كمن وجد ضالته فيها، ولن تبتعد كثيرا، فكل شيء فيها له طابعه الخاص، لياليها تعزف سيمفونية مختلفة كل يوم، وإذا قضيت دقائق في تأمل معالمها فسيمضي بك الوقت إلى ساعات وربما يمتد إلى أجل غير معلوم.