هايدي العسكري: قصتي مع الطفل سعيد والبالونة مؤشر على تفهم قضية المعوقين!

هايدي العسكري: قصتي مع الطفل سعيد والبالونة مؤشر على تفهم قضية المعوقين!

عندما تدخل مكتب الدكتورة هايدي تشد ناظريك بالونة جميلة كتب عليها اسم (سعيد).. وسعيد كان لاسمه نصيب مع تلك البالونة.
تسأل هايدي عما إذا كانت هناك قصة وراء هذه البالونة .. تبتسم ثم سرعان ما تغالب دموعها وهي تروي قصة البالونة.
تقول هايدي "ذات يوم كنت في المركز أباشر ورشة عمل على الأسر التي لديها أفراد مشخصون بالتوحد، وكان من ضمن الحضور أم سعيد التي التقيتها في تلك الورشة.. تلك الأم كانت حائرة كونها أمضت سنوات دون أن تتمكن من معرفة الأسلوب الأمثل للتواصل الفاعل مع ابنها التوحدي، ومن خلال الورشة اكتسبت الأم المهارات الأساسية للتواصل مع ابنها وسرعان ما تبدل حالها وحال ابنها، حيث باتت تدرك ما يريد قوله وأدركت هي كيف تخاطبه".
إنها فرحة عظيمة ترجمتها أم سعيد في اليوم الثاني لتلك الورشة حين اصطحبت معها بالونة مكتوب عليها اسمه سعيد ليقدمها هدية لهايدي فسعيد يعشق البالونات لكن أمه لا تفهم له حينما يطلبها البالونات، وحينما عرفت السر في التخاطب مع حالته اشترت له من البالونات ما غطى مساحات منزلهم بالكامل. وتقول أم سعيد لهايدي "ليتك كنت معنا لتشاهدي فرحة سعيد وهو ينفخ بنفسه أول بالونة في حياته وليتك شاهدت حالة الفرح التي عمت منزلنا وأنا وإياه نلعب بالبالونات".

قصة سعيد
سمعت قصة سعيد.. تعاطفت معه ومع أمه وتبسمت في وجه هايدي فرحا بالإنجاز الذي تحقق لأم سعيد ولسعيد ولم أتمكن من إخفاء دموعي .. سارعت هايدي قائلة لي "في كل زاوية من مكتبي هناك قصة .. هل تودين سماع المزيد لتواصلي مسح الدموع أم تكتفين بما سمعت.
قلت بل أريد سماع المزيد لا لأمسح دموعي بل لأنقل شيئا من إنجازات مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة للكثير ممن يعانون معاناة أم سعيد باختلاف تصنيف الإعاقة لديهم وللذين يجهلون نتائج أبحاثكم التي تصب في صالحهم وصالح أبنائهم لترفع عنهم شيئا من البلاء وتدخل في نفوسهم ذلك الفرح الذي حظي به سعيد وأمه لعلنا نملأ ساحات كل البيوت بمثل بالونات سعيد. أريد سماع المزيد من القصص لأنقل أيضا للأصحاء شيئا من معاناة غيرهم ليدركوا حجم العمل الذي يضطلع به مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة .. قاطعتني هايدي قائلة: "للعمل متعة حينما تشعرين بأنك تحاولين وتسعين لخدمة الغير فما بالك حينما يكون ذلك الغير معوقين.. في ظني أننا كلنا هنا نلامس تلك المتعة وكلما رأينا نتائج أبحاث المركز أمامنا زادت سعادتنا .. ما أجمل أن تدخلي السرور في نفوس الآخرين .. ما أجمل أن تعملي وتعملي وتصبري ثم ترين ثمار تلك البحوث تنعكس واقعا ملموسا، فتلك أسرة لديها أكثر من طفل معوق وبفضل الله ثم بتطبيق برنامج التشخيص الوراثي قبل الغرس ترزق بمولود سليم .. هنا تعي تلك الأسرة وفي ظني كل من له علاقة بها قيمة العلم وقيمة تلك البحوث وقيمة هذا المركز الذي أنشئ لهذا الغرض، ليكون بعد الله سبحانه وتعالى مصدر نعمة مساهما في القضاء على الإعاقة في بعض جوانبها والوقاية منها والتخفيف من آلامها النفسية والجسدية في جوانب أخرى.

أطفال دون إعاقة
سألت هايدي عن عدد الأطفال الذين طلوا على الدنيا دون إعاقات لأسر كان لديها أكثر من طفل معوق بعد أن تم تطبيق برنامج التشخيص الوراثي قبل غرس النطفة في جدار الرحم فقالت "تمكنا من إنقاذ 33 طفلاً من الإعاقة لأسر عندها أكثر من طفل معوق والفضل في ذلك لله تعالى ثم لنتائج بحوث المركز".
خرجت من مكتب هايدي في مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة في الحي الدبلوماسي في الرياض ويحدوني أمل بعدد تلك الزهور الجميلة التي تزين شوارع وميادين الحي أن يرزق الله تعالى تلك الأسر التي عانت من المواليد المعوقين مواليد أصحاء جراء البحوث التي يجريها مركز الأمير سلمان.

شاب يروي تجربته
قبل أن أغادر المركز مررت على مكتب غازي الشعلان أمين عام جمعية المؤسسين لأودعه وأشكره على ما شاهدت وسمعت عند هايدي، طالبة منه إتاحة الفرصة لي مرة ثانية وثالثة لمعرفة المزيد عن المركز لأسهم إعلاميا في الرفع من درجة الوعي بقضية الإعاقة والمعوقين في المجتمع، فإذا به يقول لي "لدى الدكتورة هايدي المزيد من القصص والمعلومات وفي كل زاوية من هذا المركز هناك قصة، قصة بحث وقصة نجاح وقصة إنسانية، انظري إلى هذه الورقة ففيها كلمات يرويها شاب سعودي عن تجربته مع مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة. تناولت الورقة فقرأت فيها السطور التالية:
"لست بهذا الشكر طالب عون أو شفقة، لا لنفسي ولا لأسرتي، فقد حظيت بما لا أستطيع الوفاء ببعضه، أنا عادي وبسيط طموحاتي لا تتعدى البحث عن زوجة صالحة وبناء حياة أسرية سعيدة، وبعد أشهر قليلة من الزواج شاء القدر أن تحمل زوجتي، فكان هذا الخبر السعيد مصدر سعادة لنا جميعاً، وحينما شارفت زوجتي على الولادة نقلتها فوراً إلى غرفة الولادة في مستشفى اليمامة في الرياض، وبقيت أنتظر خارج الغرفة وأتضرع إلى الله أن يحفظ زوجتي ويرزقني الولد الصالح.
وبعد لحظات خرجت الممرضة من غرفة الولادة تزف لي البشرى السعيدة.. لم أتمالك نفسي من الفرح وأخذت أبكي وأشكر الله الذي رزقني بمولود سيحمل اسمي واسم عائلتي.
دخلت إلى زوجتي وقد رأيت وجهها يتهلل فرحاً بقدوم (عبد الله) ورحت أنظر إلى طفلي وأرى بريق الأمل ونور المستقبل يشع في عينيه.

خبر مزعج
فوجئت بفني المختبر يطلب أخذ عينة من دم الطفل لتحليلها.. دهشت، لكنه أكد لي أن الأمر بسيط جداً وهو للتأكد من سلامة الطفل من الأمراض الوراثية، حاولت إقناعه بأنه لا يوجد في سجل العائلة شخص معوق، ولكنه كان مصراً على أخذ عينة الدم، ولم أكترث للأمر، فقد كان بالي مشغولاً بمغادرة المستشفى وبترتيب وليمة الغداء للأهل والأصدقاء احتفالاً بقدوم عبد الله.
وبعد مرور يومين من حالة الولادة، تلقيت اتصالاً من المستشفى يبلغني بضرورة اصطحاب ابني وزوجتي ومراجعة المستشفى.
فذهبت أنا وأم عبد الله بسرعة إلى المستشفى، نحمل طفلي وعمره يومان، وهناك عرفنا الحقيقة المرة .. عرفنا النتيجة، عبد الله طفلي الوحيد.. طفلي البكر.. لديه مورث سيؤدي به إلى إعاقة ذهنية، إن هذا المرض الوراثي يسمى (الفينيل كيتونيا) وهو يصيب الأطفال حديثي الولادة ويؤدي إلى الإعاقة العقلية إذا لم يشخص باكراً في حدود 72 ساعة من ولادة الطفل وقبل أن تبدأ الأم بإرضاع طفلها.
وقفت مذهولاَ ومصدوماً، صارت زوجتي تبكي بحرارة وكان قلبي يعتصر ألماً كلما تذكرت هول الخبر.. طفلي سيصبح معوقاً.
ومضيت أتلفت حولي للحظات كأنها دهر، لكن أحد الأطباء أمسك بيدي وذكر لي أن الأمل الوحيد هو مراجعة العلماء في مختبر مركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، مضيت مع زوجتي نحتضن طفلنا وأمه تبكي .. كلنا نشعر بإعاقة نفسية موجعة.
مشينا في أروقة المستشفى يميناً وشمالاً ونفوسنا تائهة إلى أن وصلنا، واستقبلنا الطبيب بابتسامة وأخذ يشرح لنا حالة عبد الله ببساطة، وأوضح لنا ما عليه فعله، وما الأغذية التي يجب أن يتجنبها وما الأدوية التي يجب أن يتناولها.

عودة الأمل
حمدت ربي كثيراً وشكرته، فكم أثلج قلبي هذا الأمل، فلقد أزاح عني شبح الإعاقة المخيف لا عن طفلي فقط، بل عني وعن زوجتي أيضاً.. وها نحن جميعاً أصحاء يجمعنا بيت واحد فيه عبد الله وقد قارب عمره السنة والنصف، جميعنا نحيا حياة طبيعية 100 في المائة، وتغمرنا فرحة أهديها لأولئك الذين يقفون وراء هذا المركز العلمي العظيم.
أشكرهم، وأم عبد الله تشكرهم، وعبد الله يشكرهم أيضاً.. جزى الله خيراً كل القائمين على المركز من مؤسسين له وداعمين ومتبرعين".
أتممت قراءة قصة أبا عبد الله وتأكد لي أن القصص في هذا المركز لا تنتهي وقصص الإنجازات أيضا لا تنتهي.

الأكثر قراءة