رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سياسة صرف العملة الخليجية المنتظرة

[email protected]

تربط دول مجلس التعاون عملاتها بالدولار الأمريكي منذ أمد بعيد (يستثنى من هذا الكويت التي يمثل الدولار أهمية كبيرة في سلة العملات التي تستخدمها لتحديد سعر الدينار). وتجري دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مباحثات جادة للوصول إلى اتفاق للوحدة النقدية يتم بموجبه تبني استخدام عملة موحدة على مستوى دول المجلس. ومن المتوقع أن تكلل جهود دول المجلس للوصول إلى وحدة نقدية بالنجاح ولكن بعد المرور بمرحلة مباحثات شاقة وجادة خلال المستقبل المنظور. وقبل الوصول إلى وحدة نقدية يوجد عدد من المتطلبات التي من أهمها الوصول إلى اتفاق حول السياسة النقدية للبنك الخليجي المركزي والمتوقع أن ينشأ قبل الوصول إلى وحدة نقدية. فهل ستقوم دول مجلس التعاون بالاستمرار في سياسة ربط عملتها الموحدة بالدولار كما هو الوضع الحالي؟ أم هل ستغير دول المجلس هذه السياسة وتربط عملتها الموحدة بسلة عملات؟ أم هل ستتبنى نظام أو سياسة صرف أخرى؟ إن هذه الأسئلة مطروحة على المتفاوضين لتحقيق الوحدة النقدية.

وتتعرض سياسة ربط العملات الخليجية بالدولار الأمريكي إلى كثير من الانتقادات في الوقت الحالي بسبب ربطها السياسة النقدية لدول المجلس بالسياسة النقدية الأمريكية التي أدت إلى تسخين الاقتصاديات المحلية وارتفاع معدلات التضخم في الفترة الحالية إلى مستويات غير معهودة. وفي المقابل هناك دعوات متعددة لربط العملات الخليجية بسلة عملات. وفي حالة تبني دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ربط عملتها المنظورة بسلة عملات فإن عليها تحديد مكونات هذه السلة، فإذا حددت مكونات هذه السلة على أساس إجمالي التجارة الخارجية فإن الدولار سيستمر في تمثيل الجزء الأكبر منها بسبب تسعير معظم الصادرات بالدولار الأمريكي. أما إذا استثنيت الصادرات من قيمة التجارة الخارجية المكونة لهذه السلة فهذا معناه أن هذه السياسة النقدية تخدم الواردات, وهي بهذا لا تخدم السياسة الاقتصادية المحلية. ومن هذا يتضح أن سياسة ربط العملة بمجموعة عملات هي استمرار لسياسة ربط العملات المحلية بعملة واحدة ولكن التغيرات الحاصلة لمعدلات صرف العملة تتم بدرجة أقل حدة. وربط العملة المحلية بعملة معينة أو عدة عملات يفرض على الاقتصاد المحلي السياسات النقدية الخارجية للدول أو مجموعة الدول التي ترتبط بها العملة الخليجية. فإذا كانت الدولة أو مجموعة الدول التي ترتبط بها العملة تمر بفترة ركود فهذا يتطلب تبني السياسات الداعمة للتوسع النقدي ما يؤدي في حالة انتعاش الاقتصاديات المحلية إلى تسخينها ويقود إلى ارتفاع معدلات التضخم فيها. وتجد الدول الرابطة لعملتها معاناة شديدة في السيطرة على التضخم ما يدفعها إلى القبول بمعدلات تضخم مرتفعة ويولد معضلات اقتصادية واجتماعية هي في غنى عنها.
ولا يوجد بديل لسياسة الربط بالعملات الخارجية في الوقت الحالي إلا سياسة تعويم العملة التي يمكن استخدامها لدعم السياسات الاقتصادية المحلية. وفي حالة تعويم العملة يجب تحديد أولويات السياسة النقدية التي يجب أن تختار بين أولويات تحقيق نمو اقتصادي مستدام أو الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة من خلال سياسة استهداف التضخم. ولاتباع أي من السياستين ينبغي على دول المجلس بناء القدرات والمهارات الفنية في البنوك المركزية والجهات الإحصائية. كما ينبغي رفع مستوى شفافية السياسات والمعلومات الاقتصادية في دول المجلس. وما زال بعض دول المجلس لا يقوم حتى بجمع ونشر معدلات تضخم رسمية سواءً بصورة كلية أو بصورة شهرية منتظمة. كما تعاني مؤشرات الأسعار في دول المجلس ثغرات فنية واضحة ما يشكك في دقتها، لا تزال إحصاءات النمو والبطالة تحتاج إلى كثير من التطوير. وفي ظل الظروف الحالية فإن ربط العملة الخليجية الموحدة بعملة أو عدة عملات هو الممكن من الناحية الفنية. فاتباع سياسة ربط العملة الحالية بمعدلات أو نسب ثابتة مع عملات الدول الأخرى أسهل من الناحية الفنية على البنوك المركزية. ولا تتوافر لكثير من البنوك المركزية في الدول النامية الإمكانات الفنية اللازمة لتحمل مسؤولية إدارة التعويم الحر لعملاتها بالطريقة المثلى التي تخدم اقتصادياتها المحلية. وتعاني كثير من الدول النامية نقصا واضحا في الإحصاءات الاقتصادية, إضافة إلى تدني جودة ودقة الإحصاءات المتوافرة.
إن تبني سياسة التعويم الحر للعملة يتطلب مهارة التعامل مع المتغيرات الاقتصادية وتقديرها بصورة سليمة, كما يتطلب استقلالية الأجهزة النقدية والإحصائية. ويوجد نوع من الهوس في دول المنطقة على تبني الأنظمة سهلة التطبيق. ولكن ينبغي ألا ننسى أن سهولة الأنظمة لا يعني أنها الأفضل، حيث يتطلب تطور الاقتصاديات المحلية ضرورة تطوير الأنظمة بحيث تحقق الأهداف المرجوة. وقد يتطلب تحقيق الأهداف تبني سياسات وأنظمة تبدو صعبة التطبيق، ولكن إعادة بناء المؤسسات المطبقة لهذه السياسات ورفع مستوياتها الفنية سيمكنها من تطبيق الأنظمة الفاعلة. وستستفيد دول مجلس التعاون من النظر في تجارب الدول الأخرى ودراسة إمكانية تطبيق هذه السياسات وتلافي العيوب التي يمكن بروزها في دول المجلس. وقد توفر هذه السياسات بدائل جيدة للسياسات المتبعة حالياً وتنجح في وقف المد المتسارع من الضغوط التضخمية التي تعصف بدول المنطقة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي