المنشآت الصغيرة والمتوسطة: مؤتمرات تدور حول ذاتها ولا تنتج تقدماً

المنشآت الصغيرة والمتوسطة: مؤتمرات تدور حول ذاتها ولا تنتج تقدماً

يتجه الواقع العالمي في ظل المتغيرات الحالية بشكل ملموس نحو دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومساندتها. فالمنظمات الدولية بنشاطاتها المتنوعة والواقع التطبيقي في مختلف بلدان العالم يظهران بجلاء أن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة قطاع مهم يتمحور حوله وتتكامل معه باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى في مزيج تنموي يستهدف بالدرجة الأولى الارتقاء بالاقتصاد الوطني لأي دولة ليصبح اقتصادا قويا متينا. إن التجربة الدولية تبين أن معظم بلدان العالم المتقدم والنامي ظلت تبحث في السنوات القليلة الماضية عن الطرق والوسائل كافة لزيادة عدد المنشآت الصغيرة فيها نظرا لأهميتها المتزايدة للاقتصاد الوطني. ففي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال تفرض المنشآت الصغيرة والمتوسطة نفسها كمدخل لإحداث التنمية الاقتصادية الشاملة من حيث قدرتها على تعبئة الموارد وتحقيق أعلى قيمة مضافة منها، وكذلك قدرتها على إحداث التحول في علاقات وقيم العمل والإنتاج. ومما لا شك فيه أيضا أن مدى عطالة الموارد البشرية تتناسب بشكل طردي مع درجة تخلف المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
إن إلقاء نظرة متفحصة على واقع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية تظهر أن هناك ضعفا في معالجة هذا القطاع وتفعيل دوره. ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى حقيقة مفادها أن الحديث عن تنمية هذا النوع من المنشآت لا يمكن أن يتم بمعزل عن القطاعات الاقتصادية الأخرى. بمعنى أن الخلل الحاصل في هذه القطاعات لا بد أن ينعكس على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وأن معوقات التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل وتناقضاتها لا بد أن ترثها تنمية قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة. إن كثيرا من دول العالم المتقدم والنامي على حد سواء تبذل قصارى جهدها في إيجاد برامج الدعم المناسبة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وإن هذه البرامج وسياسات الدعم التي تم تبنيها هي التي جعلت بعض الدول تصل إلى المكانة التي هي عليها وأن تكون منشآتها الصغيرة والمتوسطة مثالا يحتذي بها.
وانطلاقا من هذا الإدراك لأهمية قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، تنوي الغرفة التجارية الصناعية في الرياض ممثلة بمركز تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في التفكير تنظيم ندوة متخصصة بعنوان "الدور التنموي المستهدف للمنشآت الصغيرة والمتوسطة" وذلك خلال الفترة من 22- 23 ربيع الأول 1429هـ. وهذه الندوة ليست الحدث الثقافي الأول الذي يتناول واقع قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة. فخلال السنوات القليلة الماضية عقدت عشرات المؤتمرات والندوات حول هذا الموضوع في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها. وقد صدر عن هذه الفعاليات عدد كبير من التوصيات التي كنا نأمل أن نرى بعض منها مطبقا على أرض الواقع. إن ما يمكن استخلاصه ببساطة, ومن دون جهد في البحث والاستنتاج، هو أن هذه المؤتمرات والندوات, أو معظمها, إنما تدور حول ذاتها ولا تنتج تغييراً. فكيف نريد إذاً في مثل هذا الواقع, أن يكون لهذا الحشد من المؤتمرات والندوات وهذا الحشد من الباحثين والمفكرين إضافة حقيقية ومساهمة نوعية في إحداث التغيير المطلوب؟ نقول هذا ولا نيأس, فالظاهرة تبقى من حيث الأساس ظاهرة ضرورية وملحة. فقضايا الفقر والبطالة والعمالة الأجنبية وسيطرتها على معظم القطاعات الاقتصادية في المملكة جميعها قضايا مرتبطة بقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة وهي قضايا قابلة للانفجار وتترك آثارا سلبية مدمرة على المجتمع السعودي إن لم تجد حلولاً جذرية.
وفي هذا السياق نطرح جملة من التساؤلات قد يكون من الصعب الإجابة عنها بوضوح. لكنها تساؤلات تستحق البحث والوقوف عندها ولا سيما في ظل تعدد المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تشهدها المملكة هذه الأيام. أول تلك التساؤلات يتعلق بالتوصيات المهمة التي تخرج بها العشرات بل المئات من المؤتمرات ... ماذا بعد الإعلان عن تلك التوصيات؟ وإلى أين وصلت؟ أم أنها انتهت بانتهاء تلك المؤتمرات والندوات؟ وإذا لم يكن كذلك فما هي الخطوات العملية التي تم اتخاذها في سبيل تحقيق تلك التوصيات؟
السؤال الثاني يتعلق بالتكلفة التي تتحملها أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية وشبه الرسمية لعقد هذه المؤتمرات والندوات. لقد سمعنا وقرأنا كثيرا عن أسماء لامعة –يعتقد البعض- تم أنفاق مئات الآلاف بل الملايين من الريالات للحصول على موافقتها للمشاركة في العديد من المنتديات التي تنظمها الأجهزة الرسمية أو شبه الرسمية في المملكة. ناهيك عن التكاليف والمبالغ الكبيرة الخاصة بتكاليف الإقامة والسفر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل ما ينفق على هذه المؤتمرات يساوي النتائج المتحققة على الأرض حتى الآن؟ إن كثيرا من هذه المؤتمرات والندوات خرجت بتوصيات يرى البعض أنها مهمة جدا ومع ذلك هناك قناعة لدى الكثيرين بأن ما يتم التوصل إليه من توصيات لا تتعدى كونها مجرد حبر على ورق لم يتم تفعيلها، بل ليس لدى القائمين على هذه المؤتمرات الآلية المناسبة لتنفيذها، وأن صرف كل تلك الأموال إنما هو هدر للجهد والمال العام والخاص. وكان من الأجدى أن يستفاد من هذه الأموال في مشاريع تنموية تعود بالفائدة على أفراد المجتمع من العاطلين والباحثين عن فرص عمل لتحسين مستوياتهم المعيشية المتدنية.
السؤال الثالث الذي يطرح نفسه هنا ويحتاج إلى إجابة دقيقة يتعلق بماهية الأهداف الحقيقية من هذه الندوات والمؤتمرات. هل القصد من تلك المؤتمرات هو تفعيل وتنشيط الاقتصاد الوطني بقطاعاته الاقتصادية المختلفة؟ وأنها تأتي استجابة لاستفسارات ومشاكل محددة ووضع حلول مناسبة لها؟ أم أن الهدف ذو طابع دعائي وتسويقي في ظل حضور شخصيات معروفة وذات صلاحيات ومستويات إدارية كبيرة؟ أو ربما يندرج تحت ما يسمى بسياحة المؤتمرات، فهناك مؤتمر أو منتدى اقتصادي يعقد في الشرقية، وآخر في الرياض، وثالث في جدة، جميعهم يتناولون الموضوعات نفسها.

تبقى التساؤلات قائمة وعديدة وتستمد شرعية طرحها من تعدد المؤتمرات والندوات وورش العمل، وحجم الأموال الباهظة التي يتم إنفاقها دون جدوى حقيقية تذكر.
وإذا كان الأمر كذلك, وهو كذلك, فأين تكمن المشكلة؟

[email protected]

الأكثر قراءة